ثلاثة أشهر تفصل إسرائيل عن انتخابات تشريعية حاسمة، يبدو خلالها رئيس الأركان الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، المنافس الأكثر جدية لرئيس الوزراء الحالي المنتهية ولايته بنيامين نتانياهو. غادي آيزنكوت يعتمد كثيرا على صورته كقائد عسكري يتمتع بالنزاهة ويتحلى بالانضباط لإقناع الإسرائيليين بأنه قادر على فتح صفحة جديدة بعد سنوات طويلة من حكم نتانياهو، لم تحظ بإجماع الكل.

نشرت في: 04/08/2026 - 18:27آخر تحديث: 04/08/2026 - 18:28

منذ نحو شهر، أطلق غادي آيزنكوت رسميا حملته الانتخابية لخوض الانتخابات التشريعية في إسرائيل، في خطوة يأمل من خلالها إنهاء هيمنة بنيامين نتانياهو على الحياة السياسية، بعد أن أمضى الأخير أكثر من ثمانية عشر عاما في السلطة.

وعلى الرغم من أن هذا العسكري (66 عاما) لا يملك خبرة سياسية طويلة، إلا أنه يُنظر إليه اليوم على أنه من بين أبرز منافسي رئيس الوزراء في الانتخابات التشريعية التي سيتنظم في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل.

عرف آيزنكوت بانتقاداته الحادة لإدارة الحرب وسياسات الحكومة الإسرائيلية. أسس في سبتمبر/أيلول 2025 حزبا جديدا أسماه "ياشار" أي النزهاء بالعبرية، استعدادا لهذا الموعد الانتخابي.

وتشير استطلاعات الرأي إلى تقارب كبير في النتائج بين حزبه وحزب الليكود، ما يمنحه فرصة حقيقية للوصول إلى رئاسة الحكومة.

وتتجلى قوة آيزنكوت في الشعبية التي يحظى بها لدى شريحة واسعة من الإسرائيليين. فقد تعاطف كثيرون معه بعد مقتل ابنه خلال المعارك في غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023، بعد فترة وجيزة من هجمات 7 أكتوبر/كانون الأول 2023، كما فقد اثنين من أبناء أشقائه خلال هذه الحرب ضد حماس.

ويختلف آيزنكوت عن نتانياهو في تعامله وأسلوبه وحتى في شخصيته. إذ وصفه صحافي في مجلة "نيويوركر"، الذي أجرى معه مقابلات مطولة، بأنه يمثل "النقيض الكامل لبيبي"، وهو اللقب الذي يُعرف به نتانياهو في إسرائيل.

يقول مؤيدوه إنه "صاحب شخصية هادئة ومطمئنة"، من خلال أسلوبه البسيط وطريقته الهادئة في الحديث. وهي صفات تميزه عن أغلب الوجوه السياسية الإسرائيلية، وفي مقدمتها بنيامين نتانياهو.

ويرى طال إلوفيتس، الباحث في مركز "مولاد" الإسرائيلي، أن الإسرائيليين يبحثون اليوم عن "حكومة تعمل بهدوء وتنجز مهامها".

ويضيف بأن قلة خبرة آيزنكوت السياسية قد تصب في مصلحته في آخر المطاف، لأنها تعني أنه لا يحمل إرثا ثقيلا من وعود لم تنجز، فضلاً عن أن خلفيته العسكرية وكونه والد جندي قُتل في الحرب... كل هذه العناصر تمنحه مصداقية كبيرة لدى الرأي العام.

كما يختلف أيضا عن نتانياهو من حيث الفئة الاجتماعية التي ينتمي إليها. فآيزنكوت من السافرديم. فهو ينحدر من عائلة يهودية مغربية متواضعة. نشأ في مدينة إيلات جنوب إسرائيل، بينما أصول نتانياهو أشكنازية، وقضى جزءا من طفولته في الولايات المتحدة.

وإذا فاز آيزنكوت في هذه الانتخابات، فسيكون أول رئيس وزراء إسرائيلي يصل إلى المنصب من هذه الفئة الاجتماعية.

أما منتقدوه، فيرون بأن خبرته السياسية لا تزال محدودة. تولى رئاسة هيئة الأركان بين عامي 2015 و2019، وكان مستشارا عسكريا لرئيسي الوزراء السابقين إيهود باراك وآرييل شارون.

وبعد انتهاء مسيرته العسكرية، دخل معترك الحياة السياسية وأصبح عضوا في الكنيست بين عامي 2022 و2025، إلى جانب بيني غانتس، رئيس الأركان السابق.

ثم انضم لفترة وجيزة إلى حكومة بنيامين نتانياهو كوزير من دون حقيبة للمشاركة في مجلس الحرب، قبل أن يستقيل في يونيو/حزيران 2024، متهما الحكومة بعدم امتلاك رؤية سياسية لمرحلة ما بعد الحرب في غزة وبالتقصير في ملف الرهائن.

ولا يطالب غادي آيزنكوت بإلحاق هزيمة بنتانياهو انتخابيا فقط، بل يدعو أيضا إلى انسحابه بشكل نهائي من الحياة السياسية، معتبرا أن ذلك سيخفف من حدة الانقسام داخل المجتمع الإسرائيلي ويحسن صورة إسرائيل على الساحة الدولية.

وفي حوار مع مجلة "نيويوركر" قال: "إن إسرائيل تملك اليوم فرصة لبناء دولة يهودية حقيقية"، مضيفا أن الوقت قد "حان لتجاوز الانقسامات التي ترسخت خلال سنوات حكم نتانياهو والعودة إلى المبادئ التي وضعها دافيد بن غوريون"، أول رئيس لحكومة الدولة العبرية.

ولتحقيق هذا الهدف، يجب على غادي آيزنكوت، أن يضمن موقعا في الوسط، لإقناع الناخبين من اليمين ومن اليسار على حد السواء.

وعلى غرار باقي معارضي نتانياهو، ومن بينهم رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت وزعيم المعارضة يائير لابيد، ويائير غولان، تعهد آيزنكوت بأنه في حال وصل إلى السلطة، ستكون من أولويات الحكومة الجديدة تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة للنظر في الإخفاقات التي سبقت هجمات السابع من أكتوبر.

كما يدعو إلى فرض الخدمة العسكرية الإجبارية للجميع، بما فيهم اليهود الحريديم وعرب إسرائيل، الذين يتمتع معظمهم حاليا بإعفاءات من الخدمة العسكرية.

ويأتي هذا في ظل تزايد الانتقادات داخل إسرائيل بخصوص الإعفاءات الممنوحة للحريديم، بينما يُستدعى جنود الاحتياط بشكل متكرر منذ اندلاع الحرب في عام 2023.

أما بشأن الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، فيحافظ غادي آيزنكوت على نفس القدر من الغموض.

فقد زار في أبريل/نيسان الماضي عددا من المستوطنات في شمال الضفة، لكنه يتجنب التصريح بمواقف واضحة بشأن سياسة الاستيطان الإسرائيلية.

ويعتقد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة المفتوحة الإسرائيلية، ديني شربات أن شعبية آيزنكوت تعود، إلى حد كبير، إلى تجنبه إطلاق مواقف حادة قد تنفر الناخبين المعتدلين من اليمين أو اليسار، مفضلا ترك مساحة للغموض في خطابه السياسي.

نفس الأمر ينطبق على ملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني وحل الدولتين، إذ يتجنب غادي آيزنكوت الدفاع عنه علنا، من دون أن يعلن رفضه القاطع له، معتبرا أن تطبيقه في الظروف الحالية ليس واقعيا.

أحد أبرز منظّري "عقيدة الضاحية"

وفيما يتعلق بقطاع غزة، فعلى الرغم من انتقاد آيزنكوت، العضو السابق في مجلس الحرب، لغياب رؤية سياسية منذ التوصل إلى وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فإنه لا يعارض الاستخدام الواسع للقوة العسكرية عقب هجمات السابع من أكتوبر، بل يؤيد سياسة أمنية صارمة في التعامل مع إيران ولبنان أيضا.

وارتبط اسم غادي آيزنكوت، الذي خدم في جنوب لبنان والضفة الغربية المحتلة، بما أصبح يُعرف بـ"عقيدة الضاحية"، التي استمدت اسمها من الضاحية الجنوبية لبيروت، ذات الغالبية الشيعية، والتي تُعد أحد أبرز معاقل حزب الله.

وتقوم هذه العقيدة على فرضية أن حزب الله ينشر مقاتليه ومستودعات أسلحته داخل المناطق المدنية، وهو ما يبرر، بحسب هذا التصور، تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد المناطق التي تنطلق منها الهجمات على إسرائيل، حتى ولو شملت تدمير بنى تحتية مدنية بالكامل.

واستُخدمت هذه العقيدة أيضا لوصف بعض العمليات العسكرية التي نفذها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.

وفي سياق آخر، وصف آيزنكوت التصريحات الأخيرة لرئيس بلدية نيويورك، زهران ممداني، بأنها "معاداة للسامية بشكل صريح"، بعد أن دعا هذا الأخير إلى اعتقال بنيامين نتانياهو تنفيذا لمذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية.

ويقول أستاذ العلوم السياسية دينيس شربيت إن الإسرائيليين ما زالوا ينظرون إلى آيزنكوت على أنه الرجل الذي يتعامل مع العنف بحزم شديد، وكشخصية يمينية تؤمن بأهمية الانضباط والتسلسل الهرمي داخل مؤسسات الدولة.

ومن هذا المنطلق، يرى شربيت أن آيزنكوت يعتبر أن الدولة وحدها هي التي تستطيع وضع القواعد وتحديد كيفية تطبيقها.

رهان التحالفات السياسية

من جهته، يعتقد الباحث طال إلوفيتس أن غادي آيزنكوت يبدو اليوم الشخصية الأوفر حظاً لتشكيل ائتلاف حكومي، مهما كانت تركيبته، خصوصا في ظل تأييد شعبي متزايد.

لكن وعلى الرغم من أن حزب "ياشار" أصبح ينافس حزب الليكود في استطلاعات الرأي، فإن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا تزال وعرة وغير محسومة. فالنظام الانتخابي الإسرائيلي يعتمد على التمثيل النسبي، ما يعني أن الفوز بعدد كبير من المقاعد لا يكفي وحده، بل يتطلب أيضا القدرة على بناء ائتلاف برلماني يضمن أغلبية قادرة على تشكيل الحكومة.

نص بهار ماكوبي، تعريب عماد بنسعيد، بتصرف

كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.