قالت الولايات المتحدة إن القصف الذي شنّته الأحد على جزيرة لارك، جاء بهدف تدمير القدرات الإيرانية الجديدة لزرع الألغام في مضيق هرمز. يتعلق الأمر باستخدام محتمل وفريد من نوعه للصواريخ لزرع الألغام البحرية في الممر الحيوي والاستراتيجي. لكن بعض الخبراء عبّروا عن شكوكهم في حقيقة ذلك والجدوى منه.
نشرت في: 02/09/2026 - 19:24
برّرت واشنطن غاراتها الأحد على منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية في جزيرة لارك قرب مضيق هرمز، بكونها كانت موجهة للقضاء على تهديد جديد للملاحة في الممر البحري الحيوي للاقتصاد العالمي.
حيث قال الجيش الأمريكي إنه استأنف رسميًا حملة القصف التي توقفت قبل شهر، مبررًا ذلك باستعداد قوات الحرس الثوري لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية في المضيق.
تحويل الصواريخ لقاذفات ألغام.. ممكن؟
يثير هذا التساؤل استغراب المتخصصين في مجال الأمن البحري. حيث يقول أحد خبراء النزاعات البحرية فضل عدم الكشف عن اسمه "إن هذه القدرة الإيرانية الجديدة المزعومة على زرع الألغام في المضيق، تتركني في حيرة من أمري".
فمنذ اندلاع الحرب إثر الضربات الإسرائيلية الأمريكية على الجمهورية الإسلامية، قام الإيرانيون بنقل الألغام على متن زوارق صغيرة سريعة، ومن ثم نشروها في مضيق هرمز، ما جعل الملاحة البحرية في هذه المياه خطيرة للغاية، حيث لا تعرف السفن الموقع المحتمل لتلك المتفجرات.
وكان يتم نقل الألغام أحيانا باستخدام غواصات صغيرة أو حتى إلقائها من طائرات تحلّق على ارتفاعات منخفضة للغاية، بحسب ما نقلت قناة الجزيرة القطرية في مقال خصصته لهذا الموضوع.
اقرأ أيضاالولايات المتحدة تستأنف ضرباتها على إيران وتستهدف جزيرة لارك في مضيق هرمز
لكن ديرك سيبلز، خبير الأمن البحري لدى شركة ريسك إنتليجنس، اعتبر أن تحميل هذه المتفجرات على الصواريخ وإطلاقها باتجاه مضيق هرمز "يُعدّ، على حد علمي، أسلوبا غير مألوف" في الأعمال الحربية. رغم ذلك، أكدت صحيفة نيويورك تايمز وجود "نوع جديد من الألغام البحرية الإيرانية".
من جهته، اعتبر هارلان أولمان، ضابط سابق في البحرية الأمريكية، في مقابلة مع الجزيرة، أن استخدام الصواريخ "غير مرجح"، حيث إن إطلاق الألغام بهذا الشكل سيؤدي إلى "تضررها على الأغلب عند ارتطامها بالماء".
رغم ذلك، "تجري إيران منذ فترة، تجارب على عدة صواريخ من طراز فجر-5 لهذا الغرض"، حسبما لفت سيدهارث كوشال، متخصص في تأثير التقنيات الجديدة على الحرب البحرية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية (RUSI)، أحد أبرز مراكز الأبحاث الاستراتيجية في بريطانيا.
حتى إن التلفزيون الإيراني بثّ في يناير/كانون الثاني، ريبورتاجا حول قاذفة الصواريخ فجر-5 وقدمها كسلاح جديد لزرع الألغام في مضيق هرمز.
أسرع طريقة لزرع الألغام البحرية
يقول مارك هيلبورن، خبير في مسائل أمن الجو والفضاء بكلية كينغز كوليدج في لندن، إنه "من الممكن إطلاق الألغام باستخدام المدفعية. حيث تنقل الصواريخ المتفجرات وتسقطها فوق المنطقة المستهدفة. يمكن تقليل صدمة الارتطام مثلاً من خلال تزويد الألغام بمظلات صغيرة".
اللافت، هو أن قيام إيران بزرع الألغام في المضيق باستخدام منظومات الصواريخ فجر-5، سيضع ترامب والبنتاغون في معضلة أمام الرأي العام الأمريكي والدولي، خصوصا وأنهم لطالما تباهوا بـ"تدمير البحرية الإيرانية بشكل كامل".
في المقابل، بالنسبة للإيرانيين الأمر يعد طريقة "لإثبات براعتهم وقدرتهم على تخطي تدمير الأمريكيين لأسطولهم البحري"، بحسب ما علّق شاهين مدرس، خبير الشؤون الإيرانية بالفريق الدولي لدراسة الأمن (ITSS) في فيرونا.
وهذه ليست الأفضلية الوحيدة التي حققتها طهران في هذا السياق. يقول سيدهارث كوشال: "هي كذلك أسرع. حيث إن استخدام الزوارق يتطلب تحميل الألغام، وتجميع الطاقم، والتوجه إلى موقع معين لزرعها. لكن مع قاذفة الصواريخ، يكفي التحميل والإطلاق". يضيف الخبير أن الوقت الذي يربحه الإيرانيون عبر هذا الأسلوب الحربي الجديد قد يحدث الفارق لأن ذلك "يُقلل للأمريكيين الفرص في اكتشاف وتحييد التهديد".
على أي حال، ليس هذا حلا سحريا بشكل قاطع، حيث إن هناك أسبابا أخرى موضوعية، تجعل من استخدام الزوارق خيارا أفضل، يضيف كوشال. فمن جهة، يمكن تحميل كمية أكبر من الألغام على متن السفينة لأن "اللغم البحري هو شحنة كبيرة وثقيلة إلى حد ما لأنه يجب أن يكون قويا بما فيه الكفاية لإلحاق الضرر بهيكل السفينة. كما يصعب تحميل عدد كبير منها في قاذفة صواريخ واحدة. فحتى تقطع مسافات طويلة، يجب أن تكون الشحنة خفيفة".
من جهة أخرى، هناك مسألة الدقة بالنسبة إلى استخدام الصواريخ بالمقارنة مع أساليب زرع الألغام البحرية الأخرى. حيث إن تشتتها في حال الإطلاق بالصواريخ سيحرم الإيرانيين أنفسهم من معرفة الموقع الدقيق لكافة الألغام.
دعاية أو تصعيد حقيقي؟
في نفس الشأن، يرى ديرك سيبيلز أن هذا الأسلوب "متهور إلى حد كبير". واعتبر الخبير أن الجمهورية الإسلامية سوف تضر بنفسها لأن "سفن الشحن الإيرانية بحاجة هي الأخرى لمعرفة مواقع تواجد الألغام بدقة لكي تتفاداها". إلى جانب ذلك، فمن المستحيل ضمان عبور السفن التي دفعت الرسوم التي تحاول طهران فرضها للمضيق، من دون معرفة مواقع الألغام.
لذلك، شكّك سيبيلز في الفائدة التي قد تجنيها إيران من استخدام قاذفات الصواريخ. فحتى في ظل العيوب التي تكتنف المهمات على متن القوارب، بما فيها المخاطر التي يتعرض لها الطاقم، تبقى هذه الأساليب التقليدية أكثر انسجامًا مع الاستراتيجية الإيرانية العامة في مضيق هرمز.
في الواقع، فإن سيبيلز ليس الخبير الوحيد الذي يشكك في جدوى منصات الصواريخ لنشر الألغام. حيث قال كريستيان بوغر، متخصص في قضايا الأمن البحري بجامعة كوبنهاغن: "إنها دعاية حربية". وهو يرى أن الولايات المتحدة احتاجت أصلاً إلى بعبع جديد "لتبرير الضربات" التي تشنها الآن على إيران.
يتابع بوغر أن ذلك الجيش الأمريكي يحاول طمأنة شركات الشحن، مضيفا: "تسعى الولايات المتحدة إلى إثبات أن خطر الألغام هو تحت السيطرة". كما اعتبر أن قاذفات الألغام هذه قد تكون جزءا من الحرب النفسية التي يشنها الطرفان المتحاربان.
ففي الفيديو الذي نشروه في يناير/كانون الثاني، تفاخر الإيرانيون بالقدرات الجديدة لصاروخ فجر-5، وحاولوا إثبات قدرتهم على إثارة الفوضى في مضيق هرمز، بغض النظر عن إمكانية تحقيقهم لذلك.
اقرأ أيضامصدران أمريكيان: إيران جهزت ألغاماً بحرية تحسبا لإغلاق مضيق هرمز
وأوضح بوغر: "تكمن ميزة الألغام في أن احتمال وجودها فقط يكفي لردع شركات الشحن عن استخدام مضيق هرمز". ومن ثم، يرى الخبير أن قصف جزيرة لارك وتبريره الرسمي هو بمثابة الرد الأمريكي على تلك المزاعم الإيرانية.
في المقابل، يصر شاهين مدرس على أن "استخدام قاذفات الصواريخ هو أسلوب إيراني نموذجي لجهة اللجوء إلى الأساليب غير التقليدية لإحباط مخططات العدو" بالنسبة إلى طهران. ووفقا له، فإن الرد الإيراني على الحرب الاقتصادية الشاملة التي أعلنتها واشنطن، سيكون من خلال إثبات قدرة طهران على تصعيد الضغوط في مضيق هرمز، وذلك عبر مباغتة الأمريكيين بواسطة هذا السلاح الجديد لزرع الألغام في الممر البحري الحيوي.
على أي حال، فلو كان الأمر يتعلق بمجرد حرب نفسية أو بتهديد حقيقي في مضيق هرمز، فإن هذه الحلقة الجديدة من النزاع بين إيران والولايات المتحدة، تكشف عن أن تهديد الألغام لا يزال فعالاً للغاية، حتى في عصر الطائرات المسيّرة والحرب المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
النص الأصلي بالفرنسية، أعده إلى العربية: أمين زرواطي
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




