في فجر 20 مارس/آذار عام 2003، حين أضاءت سماء العاصمة العراقية بغداد ألسنة اللهب المندلعة من أولى رشقات صواريخ "توماهوك"، لم تكن تلك اللحظة إيذانا بسقوط نظام سياسي استبدادي فحسب، بل كانت تدشينا لمغامرة عسكرية عنيفة. فقد اصطدمت واشنطن على أرض العراق بجغرافيا سياسية واجتماعية ضاربة في التاريخ والتعقيد، فتحولت أوهام الحسم السريع إلى مستنقع أمني واستراتيجي مكلف استنزف عقيدة البنتاغون، وبدل توازنات القوى الإقليمية، وربط حاضر العراق ومستقبله بجدلية السيادة الوطنية والوجود الأجنبي لأكثر من ثلاثة وعشرين عاما.

نشرت في: 30/09/2026 - 10:06

في مطلع عام 2024، أطلق العراق أعمال "اللجنة العسكرية العليا المشتركة" (HMC) مع الولايات المتحدة. وهي اللجنة التي عكفت على مدار شهور من التقييم العملياتي المكثف على مراجعة مستويات الخطر، والجاهزية القتالية والتسليحية للأجهزة الأمنية الوطنية، والبيئة المحيطة.

وتكللت هذه المباحثات بصدور البيان المشترك للجنة العسكرية العليا بين بغداد وواشنطن، وما أعقبه من بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي ووزارة الخارجية العراقية، ليُعلن رسميا عن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وانسحاب كافة القوات الأجنبية من العراق بحلول 30 سبتمبر/أيلول.

لا يمثل هذا الإعلان مجرد خطوة لوجستية لإعادة تموضع الجنود والمعدات، بل هو انعطافة استراتيجية فارقة تُكرس استعادة الدولة العراقية لسيادتها الكاملة على أراضيها وأجوائها، متوجة مسارا تفاوضيا شاقا نقل العراق من دائرة "الوصاية الأمنية المفروضة" و"الساحة المفتوحة للصراعات" إلى فضاء "الدولة المكتملة الأركان" التي تدير شراكاتها الدولية وفق مصالحها الوطنية العليا وقواعد القانون الدولي.

لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.

يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.

من إسقاط تمثال صدام إلى تفكيك الدولة (2003 – 2006)

انطلقت الآلة العسكرية الأمريكية صوب بغداد دون غطاء شرعي صريح من مجلس الأمن، متجاوزة الرفض الدولي الواسع والمعارضة الشديدة داخل أروقة الأمم المتحدة، مستندة إلى ذرائع بشأن امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ووجود صلات مزعومة مع الإرهاب الدولي، وهي ذرائع ما لبثت أن تهاوت أمام تحقيقات لجان التفتيش والاعترافات اللاحقة.

اقرأ أيضاواشنطن وبغداد بصدد بدء محادثات لإنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة في العراق

تهاوت أسوار العاصمة في التاسع من أبريل/نيسان 2003 مع مشهد إسقاط تمثال ساحة الفردوس الشهير، إلا أن نشوة النصر الخاطف التي راودت صقور واشنطن سرعان ما تبددت مع مباشرة الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر مهامه رئيسا لما سُمي "سلطة الائتلاف المؤقتة".

ارتكب بريمر ما أجمعت تقارير المفتش العام الخاص بإعادة إعمار العراق (SIGIR) على تصنيفه بوصفه "الخطيئة الاستراتيجية الأصلية"، إذ أصدر أمره الأول باجتثاث حزب البعث من كافة الهياكل الإدارية والأكاديمية، ثم أتبعه بالأمر رقم 2 القاضي بالحل الفوري للجيش العراقي، ووزارتي الدفاع والإعلام، وكافة التشكيلات الأمنية والاستخبارية والجمارك.

فبجرة قلم، أُلقي بنصف مليون رجل مدرّب يحملون السلاح إلى دائرة البطالة والتهميش، مُجَردين من رواتبهم ومكانتهم المجتمعية، مما خلق فراغا مؤسسيا وأمنيا هائلا عجزت قوات الاحتلال عن ملئه.

تحول ذلك الإجراء إلى وقود حي انصهر في بوتقة الرفض الشعبي للوجود الأجنبي، فاندلعت شرارة العنف وحرب العصابات في المدن الغربية والشمالية، وتكبدت القوات الأمريكية خسائر جسيمة داخل بيئات حضرية لم تكن مدربة على خوض معاركها.

وجاءت معركتا الفلوجة الأولى والثانية عام 2004، بالتوازي مع تفجر انتفاضة "جيش المهدي" في مدن الجنوب وضواحي بغداد، لتكشف للعالم عجز الترسانة الحربية الحديثة عن فرض الاستقرار بقوة الحديد والنار، بينما كانت البنية التحتية من كهرباء ومياه وصحة تتداعى تحت وطأة الانفلات الأمني الشامل.

وفي الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 2006، تسللت مجموعات إرهابية وفجرت القبة المذهبة لمرقد الإمامين العسكريين في سامراء. لم يكن الاستهداف مجرد عمل تخريبي، بل كان صاعقا فجر حربا أهلية طائفية شرسة، فتحولت شوارع بغداد وأزقتها إلى مسارح للقتل على الهوية والتهجير القسري المنظم.

غرق الجندي الأمريكي في دوامة من صراعات الميليشيات الطائفية وخلايا تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين" التي قادها أبو مصعب الزرقاوي، وباتت صور الجثث مجهولة الهوية المتناثرة في قنوات المياه دليلا صارخا على عجز الاستراتيجية الأمريكية الاحتلال، واقتراب بلاد الرافدين من حافة التمزق.

ملحمة الانسحاب الأول (2007 – 2011)

أمام تفاقم الاستنزاف البشري والمالي، وتصاعد أعداد القتلى في صفوف الجنود الأمريكيين التي تخطت حاجز الأربعة آلاف قتيل، وجد الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن نفسه مجبرا في مطلع عام 2007 على إعلان استراتيجية "زيادة القوات" بإرسال أكثر من عشرين ألف جندي إضافي وتعيين الجنرال ديفيد بتريوس قائدا أعلى للعمليات.

اعتمد بتريوس مبدأ "مكافحة التمرد" عبر نشر الجنود في نقاط حراسة متقدمة داخل الأحياء السكنية لحماية المدنيين، إلا أن المفصل الجوهري في ترجيح الكفة لم يكن الآلة العسكرية ذاتها، بل نجاح التفاهمات السياسية مع العشائر العربية السنية في محافظة الأنبار، والتي تبلورت في حركة "الصحوات" بزعامة الشيخ عبد الستار أبو ريشة.

حيث أدرك أبناء العشائر أن تطرف القاعدة وبطشها يمثل خطرا وجوديا على نسيجهم الاجتماعي، فانخرطوا في مواجهة التنظيم وطردوه من مراكز المدن، مما كسر شوكة الإرهاب ومهد الطريق أمام تهدئة نسبية مكّنت بغداد وواشنطن من فتح ملف تقنين الوجود العسكري وإنهاء صيغة قرارات الفصل السابع المحفوظة في أرشيف الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي.

وطوال عام 2008 خاضت حكومة نوري المالكي مفاوضات شاقة ومعقدة، كانت خلالها العاصمة بغداد تشهد سجالا محتدما بين رغبة واشنطن في إرساء قواعد عسكرية استراتيجية، وبين إصرار القوى الوطنية على التحرر من التبعية. أثمرت المفاوضات عن سن قانونين تاريخيين صدق عليهما مجلس النواب ونشرا رسميا في جريدة الوقائع العراقية بالعدد 4102:

مع حلول خريف 2011 ومحاولة إدارة الرئيس باراك أوباما التفاوض لإبقاء قوة استشارية وتدريبية لا تتعدى خمسة آلاف جندي، اصطدم المطلب الأمريكي برفض عراقي قاطع وموحد حول بند "الحصانة القضائية". تمسكت واشنطن بعدم خضوع جنودها للمحاكم والقوانين العراقية، وهو ما اعتبره البرلمان العراقي ومختلف القوى السياسية مساسا لا يغتفر بسيادة الدولة وكرامتها الوطنية.

وفي ظل استحالة تمرير الحصانة، صدرت الأوامر بالانسحاب الكامل، وفي صبيحة الثامن عشر من ديسمبر/كانون الأول 2011، عبرت آخر أرتال اللواء المدرع الثالث الحدودي صوب الأراضي الكويتية، ليعلن العراق استعادة كامل أراضيه وخلوها من أي قاعدة أو جندي أجنبي.

مظلة التحالف الدولي (2014 – 2021)

لم تمض سوى سنوات قلائل حتى واجه العراق خطر تهديد وجودي إذ استغل تنظيم "الدولة الإسلامية" تراكم الاحتقان السياسي والتداعيات المتفجرة للحرب في سوريا، وشن في العاشر من يونيو/حزيران 2014 هجوما كاسحا أدى إلى انهيار المنظومة الدفاعية في نينوى وسقوط مدينة الموصل في غضون ساعات.

تدحرجت كرة النار الإرهابية لتلتهم صلاح الدين والأنبار ومناطق من ديالى، واستولى التنظيم على ترسانات أسلحة غربية حديثة، وتمدد حتى باتت مواقعه تبعد أقل من عشرين كيلومترا عن مطار بغداد الدولي وأطراف أربيل.

أمام هذا الخطر الداهم الذي هدد بتمزيق الخريطة السياسية للبلاد، وجهت الحكومة العراقية نداءات استغاثة ومذكرات رسمية عاجلة إلى مجلس الأمن الدولي، طالبت فيها المجتمع الدولي والولايات المتحدة بتقديم معونة عسكرية فورية وإسناد جوي لصد التهديد الإرهابي.

اقرأ أيضاالعراق يتجه لإنهاء مهمة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة على أراضيه

شُكل على إثر ذلك تحالف دولي بقيادة واشنطن وتحت مسمى عملية "العزم الصلب"، ضم أكثر من ثمانين دولة، لكن وفق عقيدة جديدة تفادت تماما خوض معارك برية بواسطة المشاة الأجانب، واقتصرت على توفير الغطاء الجوي المتقدم، وجمع المعلومات الاستخبارية، وتزويد القوات المسلحة بالأسلحة التكتيكية والتدريب التخصصي.

تأزمت الأوضاع السياسية والميدانية وتصاعدت حدة التجاذبات الإقليمية على الأرض العراقية، وبلغت ذروة الاشتعال في الثالث من يناير/كانون الثاني 2020، حين أقدمت طائرة مسيرة أمريكية على اغتيال نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس وقائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني قرب مطار بغداد.

ردا على ذلك، عقد مجلس النواب العراقي جلسة استثنائية في الخامس من يناير/كانون الثاني 2020 وأصدر قراره الملزم رقم 14 لسنة 2020، مطالبا الحكومة بإنهاء وجود أي قوات أجنبية وسحب طلب المساعدة الدولي وإلغاء السيادة الجوية لتلك القوات، وهو ما ترجمته حكومة مصطفى الكاظمي عبر جولات "الحوار الاستراتيجي".

وأثمر هذا المسار عن إعلان رسمي صادر عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) بالاشتراك مع مستشارية الأمن القومي العراقي في ديسمبر/كانون الأول 2021، قضى بانتهاء المهام القتالية للتحالف بالكامل واقتصار وجوده على مهام التدريب والمشورة الفنية، داخل قواعد وطنية خالصة تضم قرابة 2500 مستشار أمريكي.

إعلان الانسحاب الشامل وتدشين الشراكة الثنائية

مع تسلم حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني مسؤولياتها الدستورية، وضعت ملف إنهاء وجود التحالف الدولي في صدارة أولوياتها الوطنية والسيادية؛ استنادا إلى تقييمات ميدانية وعسكرية خلصت إلى أن فلول تنظيم "الدولة الإسلامية" أضحت عاجزة تماما عن تشكيل خطر استراتيجي على تراب الوطن، وأن بقاء القوات الأجنبية بصيغتها العسكرية متعددة الأطراف بات يشكل مصدر توتر أمني واستقطاب داخلي وإقليمي.

وفي مطلع عام 2024، أطلقت بغداد أعمال "اللجنة العسكرية العليا المشتركة" (HMC) مع الجانب الأمريكي، والتي عكفت على مدار شهور من التقييم العملياتي المكثف على مراجعة مستويات الخطر، والجاهزية القتالية والتسليحية للأجهزة الأمنية، والبيئة المحيطة. وتكللت هذه المباحثات بصدور البيان المشترك للجنة العسكرية العليا بين بغداد وواشنطن، وما أعقبه من بيانات صادرة عن المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي ووزارة الخارجية العراقية، ليُعلن رسميا عن إنهاء الوجود العسكري الأمريكي وانسحاب كافة القوات الأجنبية من العراق بحلول يوم 30 سبتمبر/أيلول 2026.

يضع هذا الانسحاب الحاسم حدا نهائيا لمرحلة المعسكرات والمهام العسكرية الخارجية، متيحا تسليم كافة المنشآت والقواعد العسكرية الحيوية، وفي مقدمتها قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار وقواعد أربيل، للسيطرة التامة والسيادة الكاملة للقوات المسلحة العراقية.

ولا يعني هذا الإجلاء العسكري قطيعة بين البلدين، بل يمثل الانتقال الطبيعي والمنشود من صيغة "التحالف الدولي لحالات الطوارئ" إلى صيغة "العلاقات الثنائية المتكافئة"، والمرتكزة على آليات اتفاقية الإطار الاستراتيجي. وستقتصر العلاقات المستقبلية على عقود التسليح الرسمية، وتوريد قطع الغيار وصيانة المنظومات الدفاعية المتقدمة مثل مقاتلات F-16 ورادارات الدفاع الجوي، وتبادل المعلومات الاستخبارية المشتركة لمكافحة الإرهاب، وإرسال الكوادر العسكرية للتدريب المتقدم في الأكاديميات الدولية، دون الحاجة إلى بقاء جندي أجنبي واحد على الأرض.

ومع إسدال الستار رسميا على الوجود العسكري الأجنبي، يقف العراق على عتبة عهد جديد، عهد لا تُقاس فيه قوته بحجم التحالفات المتواجدة على أرضه، بل بقدرته على صيانة وحدته الداخلية، وتحصين قراره السيادي من التجاذبات الخارجية، ليبقى وادي الرافدين وطنا حرا سيدا ومستقلا يكتب مستقبله بأيدي أبنائه.

حسين عمارة

كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.