بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري، من قبل الملك محمد السادس، رئيسة للحكومة، يفتح المغرب صفحة جديدة في تاريخه باعتبار زعيمة حزب الأصالة والمعاصرة أول امرأة في تاريخ المملكة تتولى المنصب. وقد بدأ المسار السياسي لـ "ابنة الباشا" من رئاسة مجلس مدينة مراكش إلى الحكومة حيث تولت حقيبة الإسكان والتعمير قبل أن تبلغ لاحقا قيادة الحزب الذي تصدر نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة.

نشرت في: 29/09/2026 - 17:57آخر تحديث: 30/09/2026 - 14:32

لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.

يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.

من رئاسة مجلس مدينة مراكش، مرورا بقيادة حزب الأصالة والمعاصرة، وصولا إلى رئاسة الحكومة، قطعت فاطمة الزهراء المنصوري خلال نحو عقدين مسارا سياسيا جعل منها واحدة من أبرز الوجوه النسائية في المشهد السياسي المغربي. واليوم، وبعد تصدر حزبها الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول 2026، عادت "ابنة الباشا" إلى واجهة النقاش إثر تعيينها من قبل الملك محمد السادس أول رئيسة للحكومة في تاريخ المغرب.

ولدت فاطمة الزهراء المنصوري في مراكش عام 1976، ونشأت في أسرة تنتمي إلى النخب المحلية للمدينة. كان والدها، عبد الرحمن المنصوري، محاميا وباشا لمراكش ثم سفيرا للمغرب لدى الإمارات العربية المتحدة. درست في مؤسسات تعليم فرنسية بمراكش، ثم التحقت بجامعة محمد الخامس بالرباط قبل أن تتابع دراسة القانون في جامعة مونبلييه الفرنسية، ثم تمارس المحاماة وتتولى إدارة مكتب والدها.

اقرأ أيضاالانتخابات التشريعية المغربية: من هي الشخصية السياسية التي ستحظى بثقة الملك لتشكيل الحكومة الجديدة؟

إلى جانب عملها في المحاماة، انخرطت في العمل الجمعوي، إذ تولت رئاسة جمعية طلبة القانون الفرنسي، كما ترأست جمعية (مونية) التي تعنى بالحفاظ على التراث.

لم تدخل فاطمة الزهراء المنصوري السياسة من بوابة تقليدية. ففي عام 2007، عُرض عليها المساهمة في تأسيس فرع مراكش لحركة "لكل الديمقراطيين"، التي كان فؤاد عالي الهمة، المستشار الحالي للملك محمد السادس، من أبرز مؤسسيها. وفي 2008، تحولت الحركة إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

أول امرأة على رأس مجلس مدينة مراكش

في يونيو/حزيران 2009، حققت المنصوري أول اختراق سياسي كبير لها. فقد انتُخبت رئيسة لمجلس مدينة مراكش، بعد حصولها على 54 صوتا مقابل 36 لمنافسها عمر الجزولي، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة مجلس المدينة، وثاني امرأة تترأس مجلس مدينة مغربية كبرى بعد أسماء الشعبي في الصويرة.

كان صعودها سريعا، فقد كانت في الثالثة والثلاثين عندما وصلت إلى رئاسة المدينة. لكن، في مساء إعلان نتائج انتخابها عام 2009، توفي والدها. وقالت لاحقا إن خدمة مراكش أصبحت بالنسبة إليها وسيلة لمواصلة القيم التي تركها والدها.

خلال ولايتها الأولى، بنت المنصوري صورتها على حضور ميداني وقدرة على التعامل مع الملفات المحلية. وقدمتها الصحافة التي تابعت مسارها آنذاك على أنها سياسية قادرة على الانتقال بين مناسبات المدينة الرسمية وشوارع أحيائها الشعبية، في محاولة لتكريس صورة مسؤولة محلية قريبة من السكان.

لكن تجربتها الأولى في رئاسة مراكش انتهت عام 2015، عندما خسر حزب الأصالة والمعاصرة رئاسة المجلس لصالح حزب العدالة والتنمية.

من مراكش إلى قلب الـPAM

خسارة رئاسة المدينة لم توقف صعودها داخل حزب الأصالة والمعاصرة. فمنذ 2016 تولت رئاسة المجلس الوطني للحزب، وهو موقع أبقاها في قلب التوازنات الداخلية للـPAM خلال فترات تعاقب فيها على الأمانة العامة كل من إلياس العماري وحكيم بنشماش وعبد اللطيف وهبي.

وتصفها شهادات من داخل الحزب في تلك المرحلة بأنها شخصية تميل إلى الاستماع والتوافق، وهو ما ساعدها على الحفاظ على موقعها داخل المؤسسة الحزبية رغم تغير القيادات.

وفي المؤتمر الوطني الرابع للحزب سنة 2020، أعيد انتخابها على رأس المجلس الوطني. وفي ذلك المؤتمر برزت صورتها مجددا باعتبارها شخصية مؤثرة داخل الحزب، وإن كانت أقل حضورا في واجهة الصراعات الداخلية من بعض القيادات الأخرى.

وفي فبراير/شباط 2024، تغيرت بنية قيادة الحزب نفسها. فبدل انتخاب أمين عام منفرد، اختار المؤتمر الوطني الخامس قيادة جماعية ثلاثية ضمت فاطمة الزهراء المنصوري، ومحمد المهدي بنسعيد، وصلاح الدين أبو الغالي. واختيرت المنصوري منسقة لهذه القيادة أمام المؤسسات الرسمية.

وكانت المنصوري حريصة على التأكيد أنها ليست "أمينة عامة" للحزب، وإنما منسقة لقيادة جماعية، في نموذج قال الحزب إنه يهدف إلى الحد من شخصنة العمل السياسي والحزبي.

العودة إلى مراكش ثم دخول الحكومة

في سبتمبر/أيلول 2021، عادت المنصوري إلى رئاسة مجلس مدينة مراكش بعد فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية بالمدينة. وانتُخبت رئيسة للمجلس بالإجماع، بحصولها على 79 صوتا.

بعد أسابيع قليلة، في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2021، دخلت الحكومة للمرة الأولى، عندما عينها الملك محمد السادس وزيرة لإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة عزيز أخنوش. ومنذ ذلك الحين جمعت بين مسؤولية حكومية مركزية ورئاسة جماعة مراكش.

في الوزارة، ارتبط اسمها خصوصا بسياسات السكن ومحاربة أحياء الصفيح، وبرامج المساعدة على اقتناء السكن، إضافة إلى ملفات التعمير وإعادة تنظيم المجال الحضري. ومع استعداد المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، أصبح ملف تأهيل المدن وتحسين المشهد الحضري أحد الملفات البارزة في عمل الوزارة.

جدل عقار تسلطانت

لكن فترة توليها المنصب لم تمر دون مطبات، إذ أثير جدل كبير عقب تسريب عقد بيع عقار شاسع نواحي مراكش يحمل توقيع المنصوري، بصفتها واحدة من الورثة إلى جانب شقيقيها، وهو عقد يهم أرضا فلاحية بمنطقة تسلطانت تفوق مساحتها 66 هكتارا، قُدرت قيمتها بأكثر من 266 مليون درهم (نحو 27 مليون دولار).

الانتقادات طالت المنصوري، باعتبار أنها كانت تشغل لحظة التوقيع على العقد (أكتوبر/تشرين الأول 2023) منصبين رسميين مباشرين على صلة بالموضوع، عمدة مدينة مراكش ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير، ما جعل أصواتا تتحدث عن احتمال وجود تضارب مصالح، واستغلال موقعها الوظيفي، والتأثير على قرارات التهيئة.

وردا على ما وصفتها بـ"التسريبات المغرضة"، أصدرت المنصوري حينها بلاغا أكدت فيه أن الأراضي موضوع الجدل لا تدخل ضمن أملاك الدولة أو الجماعة، موضحة أن الأمر يتعلق بأملاك خاصة تم توارثها داخل أسرة المنصوري منذ سنة 1978، عقب وفاة مالكها الأصلي سي عبد الرحمان المنصوري.

تمثيلية النساء

لم يكن صعود المنصوري منفصلا عن موقع النساء داخل حزب الأصالة والمعاصرة. فمنذ بداياتها، قدمت نفسها باعتبارها جزءا من جيل جديد من السياسيين، ودافعت عن مقاربة سياسية تقوم على البراغماتية وتجاوز الاستقطاب التقليدي بين اليمين واليسار.

لكن حضورها السياسي لا يلغي أن تمثيل النساء في المؤسسات الحزبية والمنتخبة ظل موضع نقاش في المغرب. ولذلك اكتسب وصولها إلى رئاسة مراكش ثم إلى قيادة حزب سياسي ووزارة أهمية رمزية، من دون أن يجعل ذلك مسارها منفصلا عن التوازنات السياسية والحزبية التي تحكم المشهد المغربي.

طوال مسارها السياسي داخل المؤسسة الحزبية، حاولت المنصوري أن ترسم صورة لمسؤولة سياسية لا تسعى إلى الظهور في الواجهة، رغم أنها راكمت تدريجيا مواقع النفوذ، من رئاسة مراكش إلى المجلس الوطني للحزب، ثم إلى الحكومة، وصولا إلى قيادة الـPAM ضمن القيادة الجماعية.

اليوم، تدخل هذه المسيرة مرحلة جديدة بتعيينها رئيسة للحكومة.

وحين تصدر حزبها الانتخابات التشريعية الأخيرة بحصوله على 97 مقعدا، كانت المنصوري قد أكدت أن مسؤولية تشكيل الحكومة المقبلة ستتحدد وفق المسار الدستوري والسياسي الذي ستشهده المرحلة التالية.

وخلال اليوم التالي للانتخابات، قالت إن الحزب منفتح على مختلف التشكيلات السياسية بشأن التحالفات، ولا يضع "خطوطا حمراء" مسبقة، على أن تناقش التحالفات داخل مؤسسات الحزب.

كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.