صدر الصورة، Getty Images

تزخر مواقع التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة تروج لروتين للعناية بالوجه يشمل تدليك عظام الوجنتين والفك ببطء باستخدام أدوات مصنوعة من أحجار شبه كريمة، بعضها أسطواني، وبعضها الآخر مسطح، بأشكال وألوان عديدة. يزعم صناع ذلك المحتوى أن هذا الطقس ينشط "التصريف اللمفاوي" ويقلل انتفاخ الوجه ويخلص البشرة من السموم، بل ويقلل من التجاعيد الخفيفة ويعطي الوجه مظهراً نحيفاً "مشدوداً".

فماذا يعني "التصريف اللمفاوي" بالضبط، وما مدى صحة هذه المزاعم؟

نظام "صرف صحي" متعدد الوظائف

توجد في جسم الإنسان شبكة حيوية متعددة الوظائف تتكون من أنسجة وأعضاء تعرف باسم "الجهاز اللمفاوي". يضم هذا الجهاز: السائل اللمفاوي أو "اللمف"، والأوعية اللمفاوية، ونخاع العظم، والغدة التيموسية أو الزعترية (غدة صغيرة تقع في الصدر)، والعقد اللمفاوية، والطحال، واللوزتين، واللحمية، ونسيج لمفاوي داخل الأمعاء الدقيقة وغيرها من أجزاء الجسم.

"إنه نظام تصريف، وأفكر فيه بوصفه نظام صرف صحي يزيل الفضلات الأيضية والجزيئات الكبيرة والبكتيريا وغيرها، وينقل هذه المواد والسوائل إلى العقد اللمفاوية حيث يتيح وصول السائل اللمفاوي ومحتوياته إلى العقد أن تستجيب وتبدأ الدفاع عن الجسم"، هكذا يخبرني البروفيسور نيل بيلر مدير وحدة الأبحاث السريرية لمرض الوذمة اللمفاوية بجامعة فليندرز الأسترالية، والذي عكف على دراسة الجهاز اللمفاوي على مدى خمسة عقود.

ويحدد البروفيسور هيرو سوامي، الأستاذ المشارك بالمركز الأسترالي لتعليم وبحوث وعلاج اللوذمة اللمفاوية، ثلاث وظائف أساسية للجهاز اللمفاوي:

1-آلية دفاع مناعية: إذا دخلت الجسم ميكروبات أو مواد غريبة، يحاصرها الجهاز المناعي ويحملها إلى العقد اللمفاوية عن طريق الأوعية اللمفاوية. العقد اللمفاوية هي مركز للتفاعلات المناعية والخلايا المناعية، بما فيها الخلايا البائية (B-cells) والخلايا التائية (T-cells)، وتعمل على مهاجمة العوامل الدخيلة.

2-امتصاص العناصر الغذائية: الجهاز اللمفاوي يمتص المواد الدهنية من الأمعاء الدقيقة.

3-تنسيق تبادل السوائل: من خلال امتصاص فائض السائل الخلالي (أو النسيجي) الذي يتسرب من الشعيرات الدموية إلى الأنسجة، ثم ترشيح هذا السائل (الذي يطلق عليه في هذه المرحلة السائل اللمفاوي أو اللمف) عبر العقد اللمفاوية لإزالة أية عوامل ممرضة أو بقايا عضوية، ثم إعادته بشكل آمن إلى مجرى الدم لضمان توازن السوائل ومنع تورم الأنسجة.

الأكثر قراءة نهاية

القريبة.

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وعندما يتراكم السائل اللمفاوي ولا يُصَرف بشكل سليم، يصاب الشخص بحالة مرضية مزمنة تعرف باسم "الوذمة اللمفاوية" (lymphedema)، وأبرز أعراضها تورم أجزاء من الجسم، لا سيما الذراعين والقدمين.

وقد تكون الوذمة اللمفاوية ناتجة عن خلل جيني يتسبب في عدم نمو بعض أجزاء الجهاز اللمفاوي أو عدم عملها بشكل سليم (وتسمى الوذمة اللمفاوية الأولية)، أو قد يصاب بها أشخاص كان جهازهم اللمفاوي يعمل في السابق بشكل طبيعي، وقد تتسبب فيها عدة أشياء أبرزها العلاج الجراحي أو الإشعاعي للسرطان، أو العدوى الميكروبية، أو الالتهابات الناتجة عن بعض الحالات الطبية.

يقول البروفيسور سوامي إن الوذمة اللمفاوية المرتبطة بسرطان الثدي هي أثر جانبي شائع يحدث بعد تلقي العلاج، إذ "يؤدي استئصال العقد اللمفاوية الإبطية إلى تلف الأوعية اللمفاوية في الطرف العلوي [الكتف والذراع واليد] أو الثدي، وقد يحدث في المرحلة المبكرة تراكم للسوائل فيهما. يعود هذا المرض إلى انخفاض عدد الأوعية اللمفاوية السليمة، الذي ينتج عن الجراحة بالأساس. كما أن علاج السرطان يحدث خللاً في تبادل السوائل في الجهاز اللمفاوي، ما يجعل الطرف المصاب أكثر عرضة للعدوى بسبب خلل في وظيفة الجهاز المناعي".

ووفق موقع هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية، يتم علاج الوذمة اللمفاوية من خلال الأربطة الضاغطة وعمليات التدليك المتخصصة التي تعرف بالتصريف اللمفاوي اليدويManual Lymphatic Drainage (MLD)، والتمرينات الرياضية والعناية بالجلد. وفي عدد قليل من الحالات تُجرى جراحة لشفط الدهون من المناطق المتضررة، أو جراحة يجري خلالها إعادة تدفق السائل اللمفاوي في المنطقة المتضررة: على سبيل المثال، من خلال توصيل الجهاز اللمفاوي بالأوعية الدموية القريبة.

هل نحن بحاجة إلى "ديتوكس" لمفاوي؟

كثر في الأعوام الأخيرة الترويج لفكرة أننا بحاجة إلى "ديتوكس"، أو إزالة السموم والمواد الضارة من الجسم لتحسين الصحة والبشرة وخسارة الوزن.

من أشهر أمثلة "الديتوكس" على وسائل التواصل الاجتماعي: تناول عصائر ومشروبات مصنوعة من فواكه أو خضروات أو أعشاب معينة، واتباع حمية غذائية ما، وشرب كمية كبيرة من المياه، وتناول مكملات غذائية، وتدليك سرة البطن بزيت الخروع، وربما كان أحدثها تدليك المسارات اللمفاوية في الجسم والوجه.

وكثيراً ما ينبه الأطباء وخبراء التغذية إلى توخي الحذر إزاء المزاعم التجارية في هذا الشأن لأنها في أغلب الأحيان لا تستند إلى أدلة علمية، كما أن الجسم مزود بأعضاء وآليات تخلصه من السموم مثل الكليتين والكبد والرئتين والجهاز المناعي (بما في ذلك الجهاز اللمفاوي).

فهل الأصحاء بحاجة إلى تصريف لمفاوي يدوي؟

يقول البروفيسور بيلر إن "هناك فوائد جيدة للتصريف اللمفاوي اليدوي، لكن للأسف لا يوجد كثير من الدراسات السريرية عالية الجودة..التي تثبت أنه سبب مباشر للفوائد وليس مجرد عامل مرتبط بها. لذلك توجد آراء مختلفة، وبعضها سلبي جداً! لكني مؤيد بشدة للتصريف اللمفاوي اليدوي واستخدامه للحفاظ على عمل "المصارف" بشكل مثالي".

يضيف بيلر: "يمكن للجميع الاستفادة من تحسين التصريف اللمفاوي إذا لم يكن يعمل بالكفاءة المثلى لأي سبب، أو لم يكن كافياً لضمان صحة مثالية للخلايا والأنسجة. ومن العلامات التي تدل على أنه مرهق أو لا يعمل جيداً التراكم التدريجي للسوائل في الأنسجة السطحية والذي يكون خفيفاً في البداية".

ويرى الدكتور سوامي أن لجوء الأصحاء إلى التصريف اللمفاوي الذاتي إذا شعروا بوجود تورم في مناطق معينة من الجسم أمر يمكن تشجيعه، مضيفاً أن "التصريف اللمفاوي الذاتي يساعد على تدفق اللمف، ويتوَقع أن يسهم في تحسين التورم الموضعي". لكنه يشدد في الوقت ذاته على ضرورة "فهم التشريح الطبيعي للجهاز اللمفاوي وكيفية امتداد الأوعية اللمفاوية عبر الجسم".

"ترند" أدوات تدليك الوجه

كانت المرة الأولى التي سمعت فيها عن الـ "غوا شا" عندما طلبت مني ابنتي المراهقة شراءها. حينها اكتشفت العديد من مقاطع الفيديو على وسائل التواصل الاجتماعي التي تشرح كيفية استخدامها لتدليك الوجه، وتزعم أن ذلك يؤدي إلى تقليل الانتفاخ والتخلص من السوائل المتراكمة، بما يحسن ترهلات البشرة ويمنح الوجه مظهراً نحيفاً.

الغوا شا هي أداة صينية تقليدية لتدليك الوجه مصنوعة من أحجار شبه كريمة ملساء، مثل حجر اليشم أو الكوارتس، وتكون عادة على شكل قلب أو مشط مسطح أو تموجات. هناك أيضاً أسطوانة تدليك الوجه (face roller) التي تُصنع هي أيضاً من الأحجار ذاتها.

ولمنصات التواصل الاجتماعي الفضل في الانتشار السريع لهذا "الترند"، الذي ينسجم مع ظاهرة انتشرت في الأعوام الأخيرة على تلك المنصات، وتتمثل في اتباع طقوس صباحية ومسائية تهدف إلى تحسين مظهر الوجه وجعله أكثر نضارة وشباباً.

فهل هناك أساس علمي يبرر الترويج لتلك الأدوات؟

يقول البروفيسور بيلر إنه على الرغم من أن بعض العلاجات والاستراتيجيات التي يروج لها خبراء التجميل والمؤثرون قد تفتقر إلى أدلة علمية موضوعية كافية أو واضحة، فإن هناك بعض تقنيات التدليك المهمة جداً، و"يمكن للباحثين التعلم من دراسات الحالات والدراسات الرصدية لتحديد ما قد يكون فعالاً".

يضيف بيلر أنه من الممكن أن "يساعد تطبيق ضغوط متغيرة على الوجه (وكذلك الرأس والرقبة) في تحسين صحة الخلايا والأنسجة، وبالتالي تحسين مظهر هذه المناطق، شريطة أن تكون قد جرت أولاً محاولة لتفريغ مسارات التصريف في هذه المناطق".

ويشرح قائلاً إن الوجه يعتبر منطقة عالية النشاط، خاصة في منطقة الأنف وحول العينين، بسبب العضلات المرتبطة بتعبيرات الوجه. "ولهذا فإن هذه المنطقة غنية بالأوعية الدموية نسبياً، ما يتطلب توصيلاً جيداً للعناصر الغذائية والأكسجين وغيرها، إضافة إلى التخلص الفعال من الفضلات..وعندما يحَفز الوجه، وخصوصاً المناطق المحيطة بالعينين والأنف، باستخدام مجموعة متنوعة من أجهزة وتقنيات التدليك، فإن الإمداد الدموي لهذه المناطق وللوجه عموماً يتحسن، كما تتحسن عملية التخلص من الفضلات الأيضية والالتهابية، ما ينعكس إيجابياً على المظهر وصحة البشرة".

لكن البروفيسور بيلر يلفت إلى أهمية أن نتذكر "أننا جميعاً مختلفون، واستجاباتنا تختلف أيضاً، وبالتالي ما يناسبك قد لا يناسبني"، ومن ثم ينصح بأهمية التجربة، وتغيير شيء واحد فقط في كل مرة لمعرفة ما إذا كان مفيداً، وكذلك "فهم دور الجهاز اللمفاوي واستهدافه بطريقة تساعده على أداء وظيفته بكفاءة".

"نعم، اِطلع على ادعاءات الشركات المسوقة للأدوات التي تستخدمها، لكن ضع أيضاً في اعتبارك العلم والأدلة التي تدعمها. ابحث عن التوازن بين الاثنين، ثم قرر ما هو الأنسب لك".

كيف يمكننا مساعدة الجهاز اللمفاوي على العمل بكفاءة؟

الحفاظ على جهاز لمفاوي صحي لا يتطلب أدوات خاصة أو منتجات "ديتوكس"، بل عادات يومية صحية.

"عش بشكل جيد: ارتد ملابس مناسبة، وتنفس جيداً، ونم جيداً، وتناول طعاماً صحياً، وكن نشيطاً، واتبع ممارسات الإحماء والتبريد بعد النشاط المجهد، وانتبه إلى أي تغييرات وتصرف مبكراً ولا تنتظر لترى ما سيحدث"، هكذا ينصح البروفيسور بيلر.

على سبيل المثال، النوم الجيد، كما يشرح بيلر، "يساعد الدماغ على التخلص من الفضلات الأيضية المتراكمة فيه. والدماغ يشكل حوالي 2% من كتلة الجسم لكنه يستهلك نحو 20-25% من إجمالي الطاقة".

كما أن التنفس العميق (الحجابي أو البطني) وممارسة الرياضة والحركة تعزز تدفق السائل اللمفاوي في الجسم وتقلل من احتجاز السوائل فيه.

ينبغي كذلك تفادي ارتداء الملابس الضيقة، "مثل حمالات الصدر أو الملابس الداخلية" وغيرها، لأنها تضغط على الأوعية اللمفاوية التي تجمع السائل اللمفاوي وتصرفه إلى الأوردة، وفق البروفيسور بيلر.

في الختام، يبدو أن الجهاز اللمفاوي أضحى محوراً يتقاطع عنده العلم واتجاهات الصحة على منصات التواصل الاجتماعي. وبينما قد يكون لممارسات تدليك الوجه باستخدام أدوات مثل الـ "غوا شا" فوائد تجميلية مؤقتة، فإن الأدلة على مزاعم درامية مثل إزالة السموم أو "نحت" الوجه تظل محدودة أو غائبة. وتبقى الطريقة الأكثر فعالية لدعم صحة جهازنا اللمفاوي هي اتباع نفس العادات الصحية التي ينصح بها الأطباء من مختلف التخصصات من أجل تعزيز صحتنا الجسدية والعقلية بشكل عام.

اكتشف المزيد

مقاطع قصيرة

نهاية مقاطع قصيرة

السمنة: ماذا يعني أن تكون نحيفاً من الخارج، بديناً من الداخل؟

ما هو "وجه الكورتيزول" الذي كثر الحديث عنه على تيك توك؟

الأخبار الرئيسية

ترامب يقول إن "الأمور تسير بشكل جيد جداً" مع إيران، و"تقارير أولية" عن إصابة جزيرة قشم بصاروخين

بين التعدين والنزاع الحدودي المصري السوداني، ماذا نعرف عن المنطقة التي قُتل فيها ضابطان مصريان؟

تحالف مكة في خمسة أسئلة

اخترنا لكم

تفضيلات القراء