غيرت ناقلات النفط الأولى، التي كان من المفترض أن تنقل الديزل الروسي إلى الولايات المتحدة، مسارها ولم تعد متجهة نحو السواحل الأمريكية. ويُرجح أن يضع هذا القرار حدا نهائيا للاتفاق الذي أُبرم بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل انتخابات التجديد النصفي. من جهتها، نفت موسكو تغير مسار الناقلات على لسان رجل الأعمال الروسي المقرب من بوتين كيريل ديميترييف، الذي وصفها بـ"أخبار زائفة".
نشرت في: 06/11/2026 - 18:05آخر تحديث: 06/11/2026 - 18:39
لا تزال ناقلة النفط "أجيوي فانينديس بمثابة الفرصة الأخيرة أمام دونالد ترامب ليرى "صفقته" المثيرة للجدل مع فلاديمير بوتين والمتعلقة باستيراد الديزل الروسي، تتحقق على أرض الواقع.
فمن بين ناقلات النفط الثلاث الأولى التي غادرت روسيا لتسليم شحناتها رسميا إلى الولايات المتحدة، تظل هذه السفينة، التي ترفع العلم المالطي، الوحيدة التي لم تغير مسارها وهي في طريقها نحو السواحل الأمريكية، وذلك وفقا لما ذكرته صحيفة "فاينانشال تايمز" في مقال نُشر الأربعاء.
أما بالنسبة لـ"تاليسمان"، وهي ناقلة روسية مدرجة على قوائم العقوبات الدولية، والتي كانت قد غادرت منطقة سانت بطرسبرغ في 22 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فقد غيّرت مسارها فجأة وابتعدت عن المحيط الأطلسي لتتوجه نحو البحر الأبيض المتوسط.
وبدورها، تواصل الناقلة "ليروو"، التي تخضع هي أيضا لعقوبات من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والمملكة المتحدة- رحلتها في المحيط الأطلسي، لكنها غيرت مسارها الرسمي متجهة حاليا نحو البرازيل.
"أخبار زائفة"
من جهتها، نفت موسكو أي تغيير في مسار ناقلات الديزل الروسي التي كانت متجهة إلى الولايات المتحدة. وعلّق رجل الأعمال الروسي المقرب من بوتين كيريل ديميترييف، عبر منصة "إكس"، على تقرير لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، أشار إلى تغيير في مسار اثنتين من الناقلات الثلاث المعنية، قائلا: "أخبار زائفة"... ناقلات النفط المتجهة إلى الولايات المتحدة تواصل رحلتها".
لعرض هذا المحتوى من X (Twitter) من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات X (Twitter).
نهاية صفقة الديزل الروسي
يبقى كل شيء ممكنا بالنسبة للناقلة "أجيوي فانينديس"، لكن السواحل الأمريكية لم تعد وجهتها الرسمية، وباتت حاليا في وضع "تنتظر فيه الأوامر".
ويشير مات سميث، المحلل في شركة "كيبلر"وهي مزود عالمي للبيانات والتحليلات البحرية- في صحيفة فاينانشل تايمز البريطانية ، إلى أنه "كان من المتوقع وصول السفينة إلى نيويورك خلال عطلة نهاية الأسبوع [الموافق لـ7 نوفمبر/تشرين الثاني]"، وذلك قبل أيام قليلة فقط. فبالنسبة لهذا الخبير، لا يساوره أدنى شك في أن الأمل الأخير لدونالد ترامب - المتمثل في وصول وقود الديزل الروسي إلى الموانئ الأمريكية - سينتهي به المطاف، إلى تحويل هذا الوقود نحو وجهات أخرى.
وبدوره، يؤكد كيفن رولاندز، المتخصص في الأمن البحري لدى "المعهد الملكي للخدمات المتحدة"، وهو مركز أبحاث بريطاني نافذ يعنى بقضايا الدفاع، أنه إذا ما تحققت هذه التوقعات، فإن "الاتفاق الذي أُعلن عنه في أكتوبر/تشرين الأول، وإن ظل ساريا نظريا، يمكن اعتباره منتهيا عمليا".
ويجزم رولاندز بأن مسار ناقلات النفط الثلاث هذه يطوي نهائيا صفحة اتفاق كان "هشاً للغاية منذ بدايته". وكان دونالد ترامب قد أعلن عن هذا الاتفاق وسط ضجة إعلامية كبيرة في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، باعتباره ردا على ارتفاع أسعار الوقود.
كما أكد ترامب حينها أن روسيا ستصدر "ملايين" الأطنان من وقود الديزل إلى الولايات المتحدة. وفي أعقاب ذلك، أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية لوائح تتيح للشركات الأمريكية شراء واستيراد وإعادة بيع الديزل الروسي، على الرغم من العقوبات الأمريكية المفروضة.
وعلى إثر هذا الاستثناء الرئاسي، رفعت موسكو بدورها الحظر الذي كانت قد فرضته قبل بضعة أشهر على تصدير الديزل، والذي كان يهدف لمعالجة نقص الوقود داخل روسيا، الناجم عن القصف الأوكراني لمنشآتها النفطية.
وتمكنت الناقلات "أجيوي فانينديس" و"ليروو" و"تاليسمان" من الإبحار، ولكن خفية، إذ لم يُكشف أمر هذه الشحنات إلا بفضل يقظة منظمات غير حكومية، "غرينبيس" وشركات متخصصة على غرار "كيبلر".
من سيجازف بشراء وقود الديزل؟
ويشار إلى أن الاتفاق الروسي الأمريكي، كان قد أثار موجة من الاعتراضات الحادة في الأوساط السياسية الأمريكية. وقد أثار المنطق الاقتصادي لاتفاقٍ كان سيدرّ ملايين الدولارات على موسكو شكوكا لدى المحللين، خاصة وأن مئات الآلاف من أطنان الديزل التي وعدت روسيا بتوريدها "بسرعة" لم تكن لتكفي تغطية يوم واحد من احتياجات الولايات المتحدة.
لكن، كان وصول ناقلات النفط الثلاث سيمنح ترامب، على الأقل، فرصةً لإثبات وفائه بوعوده. فلماذا قررت إذن تغيير مسارها؟ يقرّ ماكسيميليان هيس، مؤسس شركة الاستشارات "إنمتينا أدفايزري" ومؤلف كتاب "الحرب الاقتصادية: أوكرانيا والصراع العالمي بين روسيا والغرب"، بأنه "من الصعب إعطاء سبب محدد لهذا التحول المفاجئ".
في الواقع، قد تكون هناك عدة تفسيرات، أولها يتعلق بالمخاطر التي قد يواجهها المشترون لوقود الديزل الروسي، على الرغم من وجود استثناء وقّعه ترامب. ويلحظ كيفن رولاندز إلى أنه "بإمكان الرئيس الأمريكي توقيع اتفاق دولي، لكن لضمان تنفيذه، قد تصطدم السلطة الفيدرالية بمقاومة من جانب بعض حكام الولايات" الأمريكية.
عقوبات مدنية وجنائية "قاسية"
ويذكر أن ميكي شيريل حاكمة ولاية نيوجيرزي كانت قد حذرت الإثنين مسؤولي الموانئ المحليين ومشغلي المحطات من قبول الديزل الروسي وقالت إن تلك الشحنات تنتهك القانون الاتحادي.
وذكرت شيريل قائلة "إن الكونغرس حظر واردات الطاقة الروسية بموجب "قانون إنهاء استيراد النفط الروسي" في 2022 عقب غزو روسيا لأوكرانيا.
وأضافت أن استيراد الديزل الروسي ينتهك هذا القانون وربما يعرض الشركات والأفراد الذين يستخدمون موانئ نيوجيرزي لعقوبات مدنية وجنائية "قاسية".
فكيف يمكن لذلك أن يحدث على الرغم من توقيع دونالد ترامب استثناء من العقوبات المفروضة على الديزل الروسي؟ يعود الأمر أساسا إلى تعدد أنظمة العقوبات المفروضة على روسيا والمعمول بها حاليا في الولايات المتحدة. يقول معارضو الاتفاق إن الاستثناء الذي وقعه ترامب لا يتعلق بـ "قانون إنهاء استيراد النفط الروسي" الذي أُقر في العام 2022، ويلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونغرس قبل منح أي استثناء من العقوبات المفروضة على النفط الروسي.
ترامب في أضعف حالاته
ويشير ماكسيميليان هيس إلى أنه "لا ينبغي أن ننسى وجود عقوبات أوروبية وبريطانية أيضا على النفط الروسي". ويرى هذا الخبير أنه "من المحتمل أن ناقلات النفط الروسية لم تجد مشتريا أمريكيا مستعدا لتحمل مخاطر التعرض لهذه العقوبات".
ويذكر أن العقوبات تُفعَّل بمجرد مشاركة أي كيان أوروبي - سواء كان شركة تأمين أو مصرفا أو أي وسيط آخر - في صفقة تتعلق بنفط خاضع لعقوبات. ويضيف هيس: "إذا كان هذا هو السبب في تعطل تسليم شحنة الديزل، فيُعد ذلك انتصارا للتدابير التي وضعها الاتحاد الأوروبي".
كما أن تغير المناخ السياسي في الولايات المتحدة قد يلعب دورا في ذلك أيضا. ويعلل كيفن رولاندز قائلا: "أدركت موسكو أن سلطة ترامب قد تراجعت، وجاءت نتائج انتخابات التجديد النصفي لتؤكد أن خطر احتجاز ناقلات النفط في الموانئ الأمريكية قد ازداد بشكل كبير، وهو أمر لا يمكن للكرملين قبوله". ويبدو أن مسؤولين، مثل الحاكمة ميكي شيريل، أصبحوا الآن أكثر ميلا لتجاهل رغبات رئيس بات موقفه ضعيفا.
"هدف سياسي بحت"؟
ومن جهته، يطرح ديرك سيبيلز، المتخصص في الأمن البحري لدى شركة "ريسك إنتليجنس"، احتمالا آخر، قائلا "ربما لم تكن لدى هذه الناقلات أي نية فعلية للوصول إلى الولايات المتحدة".
ويوضح الخبير أن الهدف من هذه الخطوة كان "سياسيا بحتا، في محاولة لخفض الأسعار قبيل انتخابات التجديد النصفي".
ويذكر أن صور ناقلات النفط وهي في طريقها فعليا نحو الولايات المتحدة، سمحت بإرسال إشارة ملموسة إلى الأسواق المالية. وفي هذا السياق، رأت موسكو أن المكاسب السياسية المترتبة على مسايرة ترامب تستحق تحمل تكاليف إضافية، إذ قامت الناقلات بالتوجه إلى الولايات المتحدة، قبل أن تغير مسارها لاحقاً لتذهب نحو وجهاتها الفعلية (البرازيل مثلا)، لتفريغ شحناتها.
ويشير كيفن رولاندز إلى أنه بمجرد "انتهاء الانتخابات دون أن يُحدث هذا الجهد أي أثر، لم يعد هناك أي مبرر للاستمرار في تغذية مثل هكذا أوهام..."
ويخلص رولاندز إلى أن تغيير الناقلات لمسارها ومهما كانت أسبابه، يمثل أفضل مخرج ممكن لجميع الأطراف، فالولايات المتحدة تتجنب بذلك مصدرا جديدا للمواجهة بين الرئيس والديمقراطيين من جهة، ويستطيع الروس بيع شحنات الديزل في أسواق أخرى، من جهة أخرى. أما الأوروبيون فسيشعرون بالارتياح لفشل الصفقة لا محالة.
النص الفرنسي: سيباستيان سايبت | أعده إلى العربية: فارس بوشية
كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




