في جنوب لبنان، لا يتوقف التاريخ عن إعادة نفسه. فعلى مدى عقود، شهدت هذه المنطقة نصف قرن من الحروب والاحتلالات والنزوح، مع نتيجة قاسية لا تحتمل الجدل: تقريبا كل تدخل للجيش الإسرائيلي انتهى إلى تعزيز عدوه "حزب الله" والذي كان يهدف إلى القضاء عليه.
نشرت في: 08/04/2026 - 18:31
منذ الاجتياح الإسرائيلي الأول للبنان عام 1978، والذي كان يهدف إلى وقف توغلات المقاتلين الفلسطينيين عبر الحدود، مرورا بالهجوم الحالي ضد "حزب الله" الذي يثير مخاوف السلطات اللبنانية من "احتلال جديد"، تحول جنوب البلاد إلى مسرح عمليات معتاد للجيش الإسرائيلي.
نستعرض هنا تاريخ هذا الإقليم والتدخلات الإسرائيلية التي استفاد منها "حزب الله" - الذي تأسس مطلع ثمانينيات القرن الماضي ردا على الاحتلال الإسرائيلي – لتعزيز نفوذه بشكل متناقض في كل مرة تقريبا. فالميليشيا الشيعية البسيطة في البداية، المدعومة من طهران، لم تتوقف عن اكتساب القوة، مدججة بالسلاح والتمويل الإيرانيين، حتى شاركت إلى جانب الجمهورية الإسلامية في الحرب التي تخوضها اليوم ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
اقرأ أيضاحزب الله اللبناني... النشأة والجذور والصراع الدامي مع إسرائيل (1/2)
1978:عملية "الليطاني" أول اجتياح إسرائيلي واسع النطاق
في 14 مارس/آذار 1978، شن الجيش الإسرائيلي عملية "الليطاني"، التي حشدا لها نحو 25 ألف جندي لاجتياح جنوب لبنان حتى النهر الذي يحمل الاسم نفسه (الواقع جنوب لبنان، على بعد نحو ثلاثين كيلومترا من الحدود الإسرائيلية).
وجاء هذا الاجتياح بعد أيام من غارة عبر الحدود نفذها مقاتلون فلسطينيون داخل إسرائيل، أسفرت عن مقتل 38 شخصا. وكان جنوب لبنان، منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي، نقطة انطلاق لهجمات مسلحة ضد شمال إسرائيل، وقاعدة خلفية لمنظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات.
في ذلك الوقت، كان الهدف المعلن للجيش الإسرائيلي هو دفع الميليشيات الفلسطينية شمال نهر الليطاني لتأمين حدوده المستهدفة بالهجمات وإطلاق الصواريخ. وتحقق هذا الهدف في غضون أسبوع. واحتل الإسرائيليون شريطا بعمق 40 كيلومترا داخل لبنان على طول الحدود.
وكانت الخسائر البشرية فادحة: عدة مئات من القتلى وعشرات الآلاف من النازحين. وردا على ذلك، تبنى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة القرار رقم 425، الذي طالب بالانسحاب الفوري للقوات الإسرائيلية، وأنشأ قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، المكلفة حتى اليوم بمراقبة المنطقة.
انسحب الجيش الإسرائيلي جزئيا في أبريل/نيسان 1978، ولكن بعد أن أنشأ "منطقة أمنية" بعمق نحو عشرة كيلومترات، أسند السيطرة عليها إلى ميليشيا تابعة له هي "جيش لبنان الجنوبي"، المكون من مقاتلين مسيحيين وشيعة بقيادة القائد سعد حداد.
اقرأ أيضاحزب الله اللبناني... النشأة والجذور والصراع الدامي مع إسرائيل (2/2)
1982: عملية "سلام الجليل"... جذور تأسيس "حزب الله"
في 6 يونيو/حزيران 1982، شنت إسرائيل اجتياحا جديدا واسع النطاق في لبنان عبر عملية عُرفت باسم "سلام الجليل"، بأمر من رئيس الوزراء مناحيم بيغن ووزير دفاعه أريل شارون.
كانت محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن في 3 يونيو/حزيران بمثابة الشرارة لهذه العملية البرية والبحرية والجوية التي هدفت إلى تدمير البنية التحتية العسكرية الفلسطينية في جنوب لبنان. وكان هدف أريل شارون غير الرسمي هو طرد منظمة التحرير الفلسطينية من البلاد نهائيا.
ولهذا، بدلا من التوقف عند نهر الليطاني، كما وعدت حكومة مناحيم بيغن حليفها الأمريكي، تقدمت الدبابات الإسرائيلية حتى بيروت، وحاصرت العاصمة وقصفت أحياءها الغربية وضواحيها حيث تمركز المقاتلون الفلسطينيون بكثافة نارية كبيرة.
بلغ أريل شارون مراده، ففي أغسطس/آب 1982، تم إجلاء ياسر عرفات وآلاف المقاتلين من منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان تحت إشراف قوة متعددة الجنسيات ضمت فرنسا والولايات المتحدة.
لكن اغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميل في 14 سبتمبر/أيلول، أشعل موجة تصعيد جديدة مع المجازر التي وقعت في مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، والتي ارتكبتها ميليشيات مسيحية حليفة لإسرائيل، مما أثار موجة غضب عالمية وأزمة سياسية وفتح تحقيقا في إسرائيل.
كانت حصيلة الحرب ضخمة: أكثر من 20 ألف قتيل و30 ألف جريح في الجانب اللبناني، وفق الأرقام الرسمية. وعلى الأرض، انسحب الجيش الإسرائيلي تدريجيا على مر السنين، واحتفظ بحلول 1985 بمنطقة عازلة عُرفت باسم "المنطقة الأمنية" مساحتها نحو 850 كيلومترا مربعا على طول الحدود، كانت خاضعة لسيطرة "جيش لبنان الجنوبي" بمساعدة بضع مئات من الجنود الإسرائيليين.
على إثر هذا الاجتياح الإسرائيلي الثاني، وتحديدا عام 1982، تأسس "حزب الله" في سهل البقاع (شرق لبنان) بمبادرة من الحرس الثوري الإيراني.
بالتفجيرات الانتحارية، وعمليات حرب العصابات، وإطلاق الصواريخ... بقيت الميليشيا الدينية الشيعية، الخاضعة كليا للمرشد الأعلى الإيراني والمصنفة إرهابية من عدة دول غربية، تعمل في السر حتى عام 1985، قبل أن تبرز كرأس حربة "المقاومة الإسلامية" ضد إسرائيل وجيش لبنان الجنوبي في الجنوب.
2000: انسحاب أحادي الجانب يترك الساحة خالية أمام "حزب الله"
تميزت تسعينيات القرن الماضي بتصاعد المواجهات مع "حزب الله"، الميليشيا اللبنانية الوحيدة التي احتفظت بسلاحها بعد انتهاء الحرب اللبنانية (1975-1990)، باسم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي.
شنت إسرائيل عمليتين كبيرتين: "عدالة مستحقة" (1993) و"عناقيد الغضب" (1996)، بهدف إضعاف "حزب الله" بقيادة حسن نصر الله منذ 1992، والذي أطلق الصواريخ مرارا على قرى حدودية إسرائيلية.
أثارت عملية "عناقيد الغضب" عام 1996 جدلا واسعا بعد قصف استهدف قانا، حيث قُتل أكثر من 100 مدني لبناني في المقر العام للكتيبة الفيجية التابعة لليونيفيل.
ورغم هذه الهجمات، لم تنجح إسرائيل في تحييد الحزب الشيعي الممول والمسلح من إيران، والذي تحول إلى حركة سياسية عسكرية، لها نواب في البرلمان وجمعيات مساعدة اجتماعية.
في مايو/أيار 2000، ووفقا لوعد قطعه خلال حملته الانتخابية، أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك بالانسحاب الأحادي الجانب من جنوب لبنان. رحيل بعد 22 عاما من الاحتلال، أتاح للحزب الشيعي، بترسانته السليمة، أن يتخذ مواقع له حتى ما يعرف باسم "الخط الأزرق" الذي حددته الأمم المتحدة ليكون بمثابة خط الهدنة بين البلدين.
2006: "حزب الله" يعلن "نصرا إلهيا"
في 12 يوليو/تموز 2006، شن "حزب الله" هجوما على الحدود الإسرائيلية اللبنانية، خلف "الخط الأزرق"، قُتل خلاله ثلاثة جنود إسرائيليين واختطف اثنان آخران، بهدف مبادلتهما بأسرى لبنانيين في إسرائيل (وهو ما حدث لاحقا في يوليو/تموز 2008).
شن الجيش الإسرائيلي ردا على ذلك بحملة واسعة من الغارات الجوية على معاقل الحركة الشيعية، تلاها توغل بري في لبنان.
لكن بعد 33 يوما من الحرب، تورطت القوات الإسرائيلية في مستنقع الجنوب وفشلت في تحقيق أهدافها، مما عزز شعورا بالفشل الاستراتيجي في إسرائيل.
كانت الخسائر فادحة: نحو 1200 قتيل في لبنان، معظمهم مدنيون، و163 قتيلا في الجانب الإسرائيلي (119 جنديا و44 مدنيا). ونزح نحو مليون لبناني. وتضررت البنى التحتية اللبنانية، بما فيها مطار بيروت الدولي، بشكل بالغ.
انتهى النزاع في 14 أغسطس/آب بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701، الذي ينص على أن الجيش اللبناني والقبعات الزرق التابعة للأمم المتحدة هما الوحيدان المخولان بالانتشار في جنوب لبنان. اضطر الإسرائيليون إلى سحب قواتهم، بينما أعلن حسن نصر الله "نصرا إلهيا" مكّن "حزب الله" من استغلال نجاحه على الساحة الداخلية وتعزيز قبضته على لبنان. وفي إسرائيل، كان على رئيس الوزراء إيهود أولمرت المثول أمام لجنة تحقيق مكلفة بالكشف عن إخفاقات هذه الحرب.
2024: "حزب الله" مقطوع الرأس والجيش الإسرائيلي يعود إلى الجنوب
واضعا حدا لسنوات من الهدوء النسبي على جانبي الحدود، دخل "حزب الله" الحرب ضد إسرائيل باسم "وحدة الساحات"، تضامنا مع "حماس" حليفته الفلسطينية المقربة من إيران، في أعقاب هجومها على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وضاعف الحزب الشيعي، ركيزة "محور المقاومة" الذي أسسته وأشرفت عليه إيران، من وتيرة إطلاق الصواريخ والهجمات ضد بلدات شمال إسرائيل. ولمدة عام تقريبا، ظلت عمليات تبادل النيران مستمرة، مما تسبب في نزوح عشرات الآلاف من المدنيين على جانبي الحدود.
واعتبارا من 23 سبتمبر/أيلول 2024، كثفت إسرائيل غاراتها الجوية في لبنان، مستهدفة مواقع "حزب الله" في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت. وفي 27 سبتمبر/أيلول، قُتل حسن نصر الله في قصف إسرائيلي مكثف استهدف مجمعا في الضاحية الجنوبية، بينما تم في الوقت نفسه تصفية كامل القيادة العسكرية للحزب تقريبا. وسبق حملة التصفية هذه هجوم بالبيجرات المفخخة ضد مئات من أعضاء الحركة.
بلا رأس تقوده، وضعيف جدا منذ سقوط بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 ومحروم من خطوط إمداده السورية، يتزعزع "حزب الله". وقبل في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بتوقيع اتفاق هدنة ينص على أن ينسحب الحزب الشيعي بمقاتليه شمال نهر الليطاني، على بعد نحو 30 كيلومترا من الحدود الإسرائيلية، على ألا ينتشر في القطاع سوى الجيش اللبناني وقوات اليونيفيل. ويُطلب أيضا نزع سلاح "حزب الله".
وفي المقابل، يحتفظ الجيش الإسرائيلي، الذي عاد إلى جنوب لبنان، بالسيطرة على خمسة مواقع "استراتيجية" في جنوب البلاد، رغم أنه كان من المفترض، وفق النص، أن ينسحب بشكل كامل. ورغم وقف إطلاق النار هذا، يضرب الجيش الإسرائيلي يوميا تقريبا مراكز وأطرافا لقوات "حزب الله"، الذي يمتنع عن الرد تحت ضغط من الدولة اللبنانية والولايات المتحدة للتخلي عن ترسانته.
2026: إسرائيل تعيد قواتها إلى لبنان وتنشئ "منطقة عازلة"
قوات برية، وقصف مكثف يصل حتى بيروت، ودمار هائل، ومنطقة عازلة، وأوامر إخلاء، ونزوح جديد لأهل الجنوب... في مطلع مارس/آذار 2026، يعود الجيش الإسرائيلي إلى لبنان ويعلن إعادة إنشاء منطقة أمنية موسعة.
بإطلاقه بضعة صواريخ على إسرائيل في 2 مارس/آذار، ثأرا لمقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي الذي قُتل بهجوم أمريكي إسرائيلي في طهران، جلب "حزب الله" على نفسه رد فعل لا يرحم من حكومة بنيامين نتانياهو. إطلاق صواريخ ألقى بلبنان هذه المرة في حرب إقليمية، إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
حتى 5 أبريل/نيسان، أسفرت الغارات الإسرائيلية عن 1461 قتيلا و4430 جريحا، فيما نزح أكثر من مليون شخص. وفي المقابل، ورغم تقدم القوات الإسرائيلية والقصف اليومي لمعاقله في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، يواصل "حزب الله" إطلاق صواريخه وطائراته المسيرة ضد شمال إسرائيل.
يبدو أن هذا النزاع المستمر يخدم أجندة الحزب الشيعي، بقيادة نعيم قاسم الآن، الذي لم تكن لديه أبدا نية حقيقية لنزع سلاحه. تم تأجيل النقاش حول ترسانته بحكم الأمر الواقع إلى أجل غير مسمى، رغم أن الحكومة اللبنانية قررت حظر الأنشطة العسكرية "لحزب الله" إثر اجتماع استثنائي لمجلس الوزراء. ومن جانبه، أطلق الرئيس اللبناني جوزاف عون عدة دعوات إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لتجنب تحول جنوب البلاد إلى "غزة جديدة"، كما هدد عدة وزراء إسرائيليين بفعل ذلك.
النص الفرنسي: مارك ضو | النص العربي: حسين عمارة
كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




