طموحات عمالقة التكنولوجيا في مجال الذكاء الاصطناعي تصيب المرء بالدوار: شركة "ألفابت" تطلق قرضا يمتد لمئة عام، فيما جمعت "أوراكل" 25 مليار دولار. إجمالا، يتعهد العمالقة الأمريكيون في هذا القطاع باستثمار نحو 600 مليار دولار في عام 2026. أليس في ذلك ما يكفي لوضع الاقتصاد الأمريكي والبورصة رهينة طموحاتهم وأحلامهم؟
نشرت في: 11/02/2026 - 18:59
تسعى "ألفابت"، الشركة الأم لغوغل، إلى إقناع المستثمرين بأنها ستكون على رأس إمبراطورية الذكاء الاصطناعي بعد قرن من الآن. عملاق وادي السيليكون طرح الثلاثاء 10 فبراير/شباط قرضا يمتد لمئة عام بالعملة البريطانية (الجنيه الإسترليني) للمستثمرين.
خطوة وصفها فايننشال تايمز بأنها "نادرة جدا"، وتندرج في إطار مساعي ألفابت، منذ مطلع فبراير/شباط، لاقتراض أكثر من 20 مليار دولار لتمويل طموحاتها في مجال الذكاء الاصطناعي.
غوغل يحلم بالذكاء الاصطناعي على مئة عام
"عادة ما تكون الدول أو الجامعات هي التي تطلق قروضا تمتد لمئة عام"، يؤكد ألكسندر درايدن، المتخصص في أسواق المال في جامعة لندن، الذي عمل سابقا لدى بنك الاستثمار جي بي مورغان.
فالنمسا أطلقت هذا النوع من الاقتراض عدة مرات، واستطاعت أن تجمع أكثر من ملياري دولار في 2017. وفي العام نفسه، نجحت جامعة أكسفورد العريقة في جمع 25 مليون جنيه بالطريقة نفسها. "الفائدة التي يجنيها المستثمرون هي الحصول – نظريا – على ضمان عائد سنوي طوال هذه الفترة"، يشرح ألكسندر درايدن.
اقرأ أيضا"مولت بوك"... حين يبتكر الذكاء الاصطناعي أديانا جديدة وتثير قدراته ومخاطره القلق
قد يبدو الالتزام على مدى مئة عام فترة قصيرة نسبيا في تاريخ دولة أو حتى جامعة مثل أكسفورد التي تأسست قبل أكثر من 800 عام. غوغل لا تلعب في الفئة نفسها. "إنه إصدار سندات بالغ الطموح بالنسبة إلى شركة لم تحتفل بعد بمرور 30 عاما على تأسيسها. فهي تعرض معاملة مالية تفوق عمرها بثلاث مرات"، يلاحظ ألكسندر درايدن.
ويبدو ذلك أكثر جرأة، في رأي هذا الخبير، لأن ألفابت عملاق تكنولوجي. "قد تكون لاعبا مهيمنا اليوم، لكن التكنولوجيا بطبيعتها قطاع يتطور بسرعة كبيرة"، يؤكد ألكسندر درايدن. ومن المستحيل معرفة كيف سيكون شكل العالم التكنولوجي بعد قرن، وما إذا كانت ألفابت ستصمد أمام كل التغييرات المقبلة.
ودليل على تردد عمالقة التكنولوجيا في إغراء المستثمرين بهذا النوع من القروض أن آخر مجموعة في هذا القطاع أقدمت على هذه الخطوة كانت موتورولا عام 1997. حينها كانت العلامة التجارية واحدة من أكبر 20 شركة تكنولوجية في العالم، واستطاعت جمع 300 مليون دولار. "كانت موتورولا يومها العلامة الأولى في مجال الهواتف المحمولة في الولايات المتحدة. بعد عام واحد فقط، أطاحت بها نوكيا، وفي 2001 أطلقت آبل هاتف آيفون"، يفصل مايك بَري، المستثمر الشهير وأحد أوائل من راهنوا على أزمة الرهون العقارية عالية المخاطر في 2008، في منشور على منصة إكس.
لكن بالنسبة إلى غوغل، تكمن كل الأهمية في هذين الحرفين AI (الذكاء الاصطناعي). "من خلال هذا القرض، تريد المجموعة تثبيت استثماراتها في الزمن من أجل تطوير البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، لأن الأمر يتعلق بتحول بنيوي سيستغرق وقتا"، يحلل ألكسندر درايدن.
"السبعة الرائعون" أقل روعة قليلا
"ألفابت" ليست الوحيدة التي تسعى إلى جمع مليارات الدولارات من الأسواق المالية. فقد نجحت أوراكل، عملاق الخوادم المعلوماتية الأمريكي، في اقتراض 25 مليار دولار لتمويل طموحاتها الخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، مطلع فبراير/شباط.
في عام 2025، اقترضت مايكروسوفت و"ألفابت" وأمازون وميتا و"أوراكل" 125 مليار دولار لبناء البنى التحتية للذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات، في الولايات المتحدة.
"هذا اللجوء إلى الدين لتمويل نفسها جديد بالنسبة إلى عمالقة التكنولوجيا"، يؤكد ألكسندر باراديز، رئيس تحليل الأسواق في شركة آي جي فرنسا. حتى الآن، كانت شركات التكنولوجيا الكبرى تغرف من "خزائنها الحربية".
ومع ذلك، ما زالت تتوافر لديها الأموال اللازمة. لكن "شروط الاقتراض مغرية بالنسبة إليها. المستثمرون لا يزالون يتهافتون لإقراض المال لهذه الشركات الكبرى"، يوضح ألكسندر باراديز.
هذا التفاؤل يسمح لعمالقة الذكاء الاصطناعي بالحفاظ على مدخراتهم. وهو أمر مهم لـ"ألفابت" وميتا وغيرهما، لأن "الخزان الحربي" الخاص بها يشكل "احتياطيات مهمة في حال الطوارئ غير المتوقعة"، على ما يؤكد الخبراء الذين استُطلعت آراؤهم. فإذا خيبت، مثلا، نتائج أحد هؤلاء العمالقة آمال الأسواق المالية، يمكنه استخدام هذه الأموال لإعادة شراء أسهمه الخاصة تفاديا لانهيار سعرها في البورصة.
لكن اللجوء إلى الدين بدأ يغيّر في العمق متانة هؤلاء الطامحين إلى السيطرة على عالم الذكاء الاصطناعي. "السبعة الرائعون يغدون أقل روعة شيئا فشيئا"، يلخّص ألكسندر درايدن.
فـ"ألفابت" وأمازون وآبل وتسلا وميتا ومايكروسوفت وإنفيديا جمعت، حتى الآن، كل مقومات الجذب للمستثمرين: أرباح، وديون قليلة، وآفاق واعدة. أما اللجوء إلى الاقتراض فيعني أن صحتها المالية على المدى الأبعد باتت أكثر هشاشة. ويرجح الخبراء الذين تمت مقابلتهم أنه مع استمرار تراكم الديون، قد ينتهي الأمر ببعض هؤلاء اللاعبين إلى الخروج من اللعبة.
الاقتصاد الأمريكي رهينة؟
أحد الأسباب هو سباق الإنفاق. "في 2026، تعتزم شركات التكنولوجيا الكبرى إنفاق 600 مليار دولار، مقابل حوالي 370 مليارا في 2025، ولم يتجاوز الرقم 100 مليار في 2021"، يسرد ألكسندر باراديز. ويذهب نصيب الأسد من هذه الاستثمارات إلى الذكاء الاصطناعي. ومن ثم هناك سباق محموم، "وللمرة الأولى، توجد منافسة حقيقية بينها، بعد أن كان لكل منها في السابق تخصصه: تسلا في السيارات، فيس بوك في شبكات التواصل الاجتماعي، وألفابت مع محركها غوغل"، يلاحظ ألكسندر باراديز. مواجهة لن تخلو حتما من خاسرين في نهايتها.
هذا السباق نحو الاستثمارات والتمويلات "يربط أيضا بشكل متزايد الاقتصاد الأمريكي بمصير بضعة مجموعات كبرى"، يؤكد ألكسندر باراديز. ويحذر ألكسندر درايدن من أن "الخطر يكمن في أن تأخذ هذه الشركات الاقتصاد الأمريكي رهينة".
"تمثل استثمارات هذه العمالقة التكنولوجيين في الذكاء الاصطناعي حصة متزايدة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي"، يشير ألكسندر باراديز. كما أن البحث العلمي في الولايات المتحدة بات "متمحورا أكثر فأكثر حول الذكاء الاصطناعي"، وفق ما يرصد نيويورك تايمز.
وهكذا، يعني هذا السباق المحموم إلى الأمام ربط مصير الاقتصاد الأمريكي أكثر فأكثر بنجاح مشاريع الذكاء الاصطناعي التي يطلقها عمالقة وادي السيليكون. ومع ذلك، "لا يوجد حتى الآن أي مردود حقيقي للذكاء الاصطناعي على الشركات"، يلاحظ ألكسندر درايدن.
بهذا المعنى، يعتمد الاقتصاد الأمريكي على الوعود التي يقدمها تشات جي بي تي وأقرانه، وبمباركة البيت الأبيض الذي جعل من هذه الشركات الكبرى "الذراع التكنولوجية للمنافسة الاقتصادية مع الصين"، على ما يشير ألكسندر باراديز.
إنه مزيج مثالي – سباق استثماري محموم ودعم سياسي – لتحويل هذه الشركات الكبرى إلى "أكبر من أن تفشل"، بحسب هذا المتخصص. أي أن السلطات العامة لن تسمح لها بالإفلاس لأن العواقب ستكون جسيمة للغاية على البلاد واقتصادها.
وبالنسبة إلى الخبراء الذين تمت مقابلتهم، يجب حقا من الآن فصاعدا أن نأمل أن تتحقق وعود الذكاء الاصطناعي. لأن الولايات المتحدة ستجد نفسها، في حال العكس، أمام وضع غير مسبوق: شركات أصبحت قوية إلى حد لا يسمح بسقوطها، رغم أنها باعت أوهاما. فهل سيكون موعدنا بعد مئة عام، عند استحقاق القرض الذي أطلقته ألفابت، لتقييم الحصيلة؟
النص الفرنسي: سيباستيان سايبت | النص العربي: حسين عمارة
كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




