في ظل التوتر الدبلوماسي غير المسبوق في العلاقات الجزائرية الفرنسية، تكتسي زيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر الإثنين طابعا خاصا، إذ تحمل في طياتها ملفات ثقيلة وحساسة قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة في العلاقات بين البلدين. ومن ملف المهاجرين غير النظاميين إلى قضية الصحفي كريستوف غليز، مرورا بالتعاون الأمني في منطقة الساحل، تبدو هذه الزيارة بمثابة اختبار فعلي لإرادة الطرفين في كسر الجمود واستعادة قنوات الحوار.
نشرت في: 13/02/2026 - 11:19آخر تحديث: 13/02/2026 - 12:10
يتوجّه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر الإثنين في زيارة تستمر يومين، لبحث عدد من الملفات المشتركة والحساسة بين البلدين، وفي مقدمتها قضية الصحفي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز الذي حُكم عليه بالسجن سبع سنوات، إضافة إلى ملف إعادة المهاجرين الجزائريين غير النظاميين الذين صدرت بحقهم أحكام بمغادرة الأراضي الفرنسية، وكذلك التعاون الاستخباراتي في مكافحة الإرهاب.
وتأتي هذه الزيارة في ظل استمرار التوتر الدبلوماسي بين البلدين، والذي وصل إلى درجة استدعاء كل طرف لسفيره لدى الطرف الآخر، فضلا عن القطيعة شبه التامة في الاتصالات بينهما منذ أكثر من عام.
وسيبحث وزير الداخلية الفرنسي ملفات شائكة، في مقدمتها ترحيل الجزائريين المقيمين بشكل غير شرعي في فرنسا. هذا الملف لطالما عقّد العلاقات بين العاصمتين، عندما كان برونو روتايو وزيرا للداخلية، إذ تعمّد استخدام ما وُصف في الجزائر على أنه "لغة القوة"، التي لم تُفض إلى أي حل.
بالإضافة إلى ذلك، سيتحدث نونيز مع نظيره الجزائري سعيد سعيود حول ملف سجن الصحفي غليز. وسيطلب بأن تطلق الجزائر سراحه ليعود إلى فرنسا، فضلا عن الملف الأمني، لا سيما قضايا الإرهاب في منطقة الساحل، التي تلعب الجزائر دورا محوريا فيها.
إعادة التوازن في العلاقات الجزائرية الفرنسية
أكدت وكالة الأنباء الفرنسية أن لوران نونيز أجرى اتصالا هاتفيا مطولا مع نظيره الجزائري سعيد سعيود للتحضير لهذه الزيارة، التي يُنظر إليها كمؤشر أولي على انفراج محتمل في العلاقات بين ضفتي المتوسط.
وقبل أيام، أكد نونيز أنه تلقى دعوة من نظيره الجزائري وأنه سيستجيب لها، موضحا على قناة "بي إف إم" أن العمل جار على تهيئة ظروف الزيارة، ومشيرا إلى استئناف التنسيق الأمني بين البلدين.
كما أضاف أن "فرنسا تريد إعادة التوازن في العلاقات الجزائرية الفرنسية". ويمر هذا التوازن، حسب نونيز، عبر تقليص عدد المهاجرين الذين يأتون إلى فرنسا ويستقرون فيها لأسباب عائلية واجتماعية (كالاندماج العائلي مثلا)، ورفع عدد المهاجرين الذين يأتون من أجل العمل فقط. لكن هذا يتطلب مراجعة اتفاقية 1968 التي تنظم العلاقات بين البلدين.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد صرح خلال مقابلة صحفية نهاية الأسبوع الماضي حول زيارة محتملة لوزير الداخلية الفرنسي قائلا: "مرحبا به". فيما أضاف: "فيما يتعلق بقضية المهاجرين غير النظاميين الموقوفين في مراكز الاحتجاز بفرنسا، فإن الجزائر مستعدة لاستقبالهم، لكن شريطة أن يستنفدوا جميع حقوق الطعن والاستئناف التي يسمح بها القانون الفرنسي".
وفي مطلع الشهر الحالي، أعرب نونيز عن انتظاره بادرة من الجزائر بشأن مطالب باريس المتعلقة بإعادة رعاياها الموجودين في وضع غير قانوني في فرنسا، وكذلك بخصوص قضية كريستوف غليز، الذي أُوقف في مايو/أيار 2024 أثناء إعداده تقريرا عن نادي شبيبة القبائل، أكثر أندية كرة القدم تتويجا في البلاد.
تصاعد التوتر بين البلدين
وشهدت العلاقات بين البلدين تدهورا ملحوظا منذ صيف 2024، عقب اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، وهي منطقة متنازع عليها تدعم الجزائر حق تقرير مصيرها.
اقرأ أيضاالجزائر - فرنسا: أزمة مستفحلة وحوار مستحيل؟
وازدادت حدة التوتر خلال العامين الماضيين، على خلفية خطف مؤثر جزائري معارض للنظام يُلقب "أمير دي زد" في أبريل/نيسان 2024، وتوجيه اتهام قضائي لموظف قنصلي جزائري في أبريل/نيسان 2025، ثم طرد اثني عشر موظفا من السفارة الفرنسية في الجزائر بعد أيام قليلة.
ومن المنتظر أن يناقش نونيز مع نظيره سعيد سعيود ملفات أخرى ملحة، منها طلبات تسليم تقدمت بها الجزائر إلى فرنسا، وفي مقدمتها فرحات مهني، رئيس حركة "الماك" التي صنّفتها الجزائر "منظمة إرهابية".
من جهتها، اعتبرت النائبة سابرينا صبايحي (حزب البيئة) أن هناك "إشارات إيجابية" من الجانبين، مشيرة إلى نقل كريستوف غليز إلى سجن قرب الجزائر العاصمة، وإعلان الرئيس الجزائري استعداده لاستقبال جميع رعاياه. ورأت أن المرحلة قد "تشهد خفضا للتصعيد".
زيارة سيغولين روايال إلى الجزائر مهدت الطريق
وكان آخر وزير داخلية فرنسي زار الجزائر هو جيرالد دارمانان أواخر عام 2022. أما خلفه برونو روتايو، فقد ساهمت مواقفه في زيادة التوتر، لا سيما بشأن قضية الكاتب بوعلام صنصال، الذي سُجن قرابة عام بسبب مواقف عبّر عنها بشأن بلده الأصلي.
وفي سياق موازٍ، زارت الوزيرة الاشتراكية السابقة سيغولين روايال الجزائر قبل أيام، حيث استقبلها الرئيس عبد المجيد تبون. وتمكنت روايال من زيارة كريستوف غليز، المحكوم عليه بالسجن 7 سنوات بتهمة "الإشادة بالإرهاب". فيما قبلت السلطات الجزائرية تغيير مكان الاحتجاز من سجن تيزي ووزو (100 كيلومتر شمال العاصمة) إلى سجن القليعة القريب من العاصمة.
وقدّمت روايال نفسها خلال الزيارة كوسيط، في مبادرة شخصية بصفتها رئيسة جمعية فرنسا-الجزائر، داعية إلى "إعادة بناء الصداقة بين فرنسا والجزائر". فهل تطوي زيارة نونيز صفحة الخلافات بين الجزائر وفرنسا؟
فرانس24
كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




