لعرض هذا المحتوى من اليوتيوب من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات اليوتيوب.
يبدو أن إحدى التطبيقات الموجودة في متصفح الإنترنت الذي تستخدمه تمنع تحميل مشغل الفيديو. لتتمكن من مشاهدة هذا المحتوى، يجب عليك إلغاء استخدامه.
نشرت في: 02/10/2026 - 14:36
قد يبدو التذوق حاسة بسيطة: حلو، مالح، مر أو حامض. لكن خلف هذه الأحاسيس منظومة دقيقة من الخلايا والمستقبلات والإشارات العصبية. ومع اكتشاف "الأومامي"، ثم تراكم الأدلة على قدرة الفم على الكشف عن بعض الأحماض الدهنية، اتسعت أسئلة العلماء حول عدد المذاقات الأساسية. فهل يكون "أوليُوغوستوس" هو المذاق السادس؟ ولماذا تطورت لدينا هذه القدرة أصلا؟ كلها أسئلة ستكون حاضرة في "عيد العلم" المنظم في فرنسا منذ 35 عاما والذي اختارهذه السنة شعار "الأذواق العالمة".
الذوق أو حاسة التذوق، حاسة نعرفها بالفطرة منذ الصغر، منذ أن نتذوق أولى الأطعمة. لكن ما إن نتعمق قليلا في هذه الحاسة حتى نكتشف مدى صعوبة وصفها بدقة. فمزيج الأطعمة قد يمنحنا إحساسات معقدة، تتراوح بين المتعة والنفور. ومنذ عقود، تكشف الدراسات العلمية تدريجياً مزيداً من أسرار حاسة التذوق. فقد تبين أن التذوق لا يقتصر على المالح والحلو والمر والحامض، وأن هناك مذاقات أخرى يجري بحثها ودراستها. كما كشفت الأبحاث عن ارتباط حاسة التذوق بتطور البشر والحيوانات وتكيفها مع حاجاتها الغذائية.
وتأتي هذه المناسبة بالتزامن مع اختيار حاسة التذوق وخباياها موضوعاً رئيسياً ل"عيد العلم" (Fête de la science) في فرنسا. وتنظم هذه الفعالية سنوياً منذ عام 1991 لتقريب العلوم والباحثين من عامة الناس، وتبسيط المعرفة العلمية، وتشجيع التفكير النقدي، ولا سيما لدى الشباب. وفي عام 2026، تقام الدورة الـ35 تحت شعار "الأذواق العالمة" (Saveurs savantes)، لتقريب الجمهور من العلاقة بين العلوم والغذاء والطبخ وحاسة التذوق، عبر آلاف الفعاليات في أنحاء فرنسا، من 2 إلى 12 أكتوبر.
المثير في الموضوع أن النقاش لا يزال مستمراً بين المختصين حول عدد المذاقات الأساسية التي يمكن أن تدركها حاسة التذوق. ويكشف ذلك جانباً من التعقيد الذي يلف هذه الحاسة وآلياتها في اللسان، وهو العضو الرئيسي في عملية التذوق.
فاللسان يحمل، كما هو معروف، بنى صغيرة بارزة على سطحه تسمى الحليمات اللسانية (Les papilles). ويساهم جزء من هذه الحليمات في عملية التذوق، إذ تحتوي داخلها أو على جوانبها على تراكيب مجهرية تسمى "براعم التذوق". وتتكون هذه البراعم من مجموعات من الخلايا المتخصصة في استقبال الإشارات الكيميائية ونقلها عبر الأعصاب الحسية إلى الدماغ. وتحمل خلايا التذوق بروتينات متخصصة تستطيع التعرف إلى جزيئات معينة موجودة في الطعام، قبل تحويل هذه المعلومات إلى إشارات عصبية. وتختلف آليات الكشف باختلاف المذاق الذي يجري رصده.
مذاق "الأومامي"
وإذا كان من السهل علينا تمييز مذاقات الحلو والحامض والمالح والمر، قد لا يعرف كثير منا مذاق الأومامي. والأومامي هو مذاق خامس أصبح معترفاً به علمياً إلى جانب المذاقات الأربعة التقليدية. والكلمة اليابانية تشير إلى مذاق لذيذ ومستساغ، يصعب وصفه بكلمات قليلة. نجده في أطعمة عديدة مثل اللحوم والطماطم الناضجة وصلصة الصويا، ويرتبط خصوصاً بوجود "الغلوتامات" وبعض المركبات الأخرى. وقد عرف الطهاة هذا الإحساس منذ زمن طويل، لكن العالم الياباني "كيكوناي إيكيدا" كان أول من درسه ووصفه علمياً في بداية القرن العشرين، بعد أن عزل الغلوتامات من مرق الأعشاب البحرية اليابانية، وأطلق على الإحساس اسم "أومامي".
وأظهرت الدراسات اللاحقة وجود مستقبلات تشارك في الكشف عن الأومامي في خلايا التذوق لدى الإنسان وعدد من الحيوانات، ومن أبرزها المستقبل المركب T1R1/T1R3. ومع تراكم الأدلة النفسية والفيزيولوجية والكيميائية، ترسخ تدريجياً، خصوصاً منذ ثمانينيات القرن الماضي، اعتبار الأومامي مذاقاً أساسياً خامساً. وكان أول مؤتمر دولي مخصص للأومامي، الذي عقد في هاواي عام 1985، محطة مهمة في هذا المسار.
نحو مذاق أساسي سادس؟
منذ نحو عقدين، يدور نقاش علمي حول احتمال إضافة مذاق أساسي آخر : المذاق المرتبط بالدهون. فإحساسنا بالدهون لا ينتج عن التذوق وحده. إذ تشارك فيه أيضاً حاسة الشم والإحساس بقوام الطعام وملمسه داخل الفم. لكن دراسات عدة أظهرت أن الفم يستطيع أيضاً الكشف كيميائياً عن بعض الأحماض الدهنية الحرة. وقد رصد الباحثون في خلايا التذوق البشرية بروتينات تشارك في هذه العملية، من بينها CD36 وGPR120. وتشير الأدلة المتراكمة إلى وجود مكوّن ذوقي حقيقي للأحماض الدهنية، وليس مجرد إحساس بقوام الدهون أو رائحتها.
وفي عام 2015، اقترح باحثون تسمية هذا الإحساس Oleogustus، بعد اختبار قدرة المشاركين على التمييز بين أنواع مختلفة من الأحماض الدهنية. ووجدت الدراسة أن بعض الأحماض الدهنية، خصوصاً المتوسطة والطويلة السلسلة، أحدثت إحساساً يمكن تمييزه عن المذاقات الأساسية الأخرى.
لكن ذلك لا يعني أن "المذاق السادس" أصبح حقيقة محسومة. فما يزال الباحثون يناقشون ما إذا كان ينبغي تصنيف هذا الإحساس باعتباره مذاقاً أساسياً سادساً، وما الآليات الدقيقة التي تقف وراءه. فالأبحاث تشير إلى مشاركة أكثر من بروتين وآلية، ولا يزال الدور الدقيق لبعض هذه المستقبلات، ومنها GPR120، موضع بحث.
ويبحث العلماء أيضاً في ما إذا كانت قدرة الإنسان على الكشف عن الأحماض الدهنية تؤثر في تفضيلاته الغذائية واستهلاكه للأطعمة الغنية بالدهون، وما إذا كان لذلك دور في بعض اضطرابات التغذية مثل السمنة. لكن العلاقة بين هذه الآليات والسمنة معقدة، ولا يمكن اختزالها في عامل واحد.
دور التذوق في التطور
كما هو الحال بالنسبة إلى البصر واللمس والسمع، ارتبطت حاسة التذوق ارتباطاً وثيقاً بتطور الكائنات الحية وتكيفها مع بيئاتها. فهي تساعد الكائن الحي على التمييز بين مواد غذائية مختلفة، وتساهم في تجنب بعض المواد التي قد تكون ضارة. فمثلاً، يمكن للطعم المر أن يكون إشارة تحذيرية من بعض المركبات الضارة أو السامة. وفي المقابل، يساعد التذوق على توجيه الكائن نحو مصادر غذائية يحتاج إليها. وعندما نتناول أطعمة غنية بالطاقة، يمكن أن تنشط في الدماغ منظومات المكافأة والتحفيز، ومن بينها منظومة الدوبامين. وتعد السكريات من المواد الغذائية التي يمكن أن تفعّل هذه المنظومات، إلى جانب تأثيرات مرتبطة بالقيمة الغذائية والطاقة التي يوفرها الطعام.
وتوفر السكريات والكربوهيدرات مصدراً مهماً وسريعاً نسبياً للطاقة، وهو ما جعل القدرة على اكتشاف الأطعمة الغنية بها ذات أهمية تطورية. لكن مصادر الغذاء الغنية بالسكريات لم تكن متاحة دائماً وبالوفرة نفسها في البيئات الطبيعية، ولذلك كان على كثير من الحيوانات البحث عنها والاستفادة منها عندما تتوفر، مثل الفواكه الناضجة.
أما الإنسان، فقد تغيرت بيئته الغذائية بشكل كبير مع تطور الزراعة والصناعة والتكنولوجيا. وأصبح بإمكاننا اليوم الحصول على أطعمة غنية بالطاقة والسكريات بسهولة وعلى مدار العام. ومع ذلك، ما زالت كثير من الآليات البيولوجية الأساسية التي تؤثر في تفضيلاتنا الغذائية موجودة. وفي بيئة غذائية تتوفر فيها الأطعمة الغنية بالطاقة بصورة مستمرة، قد تتعارض بعض هذه التفضيلات القديمة مع واقعنا الغذائي الحديث، وهو ما يدرسه العلماء في سياق السمنة واضطرابات الاستقلاب.
وهذا ليس إلا وجهاً واحداً من وجوه العلاقة المعقدة بين الإنسان وحاسة التذوق، وهي علاقة تكشف، كلما تعمقنا فيها، عن تداخل البيولوجيا والتغذية والسلوك والثقافة. وهي من بين الجوانب التي تفتحها أمام الجمهور دورة هذا العام من "عيد العلم" في فرنسا تحت شعار "الأذواق العالمة".
كلمات مفتاحية مرتبطة
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




