خلال الأشهر الأخيرة، تمت إدانة مغنيتين إيرانيتين لتقديمهما عروضا غنائية أمام الجمهور. وحكم على هيوا سيفي زاده بالسجن أربع سنوات، وباراستو أحمدي بـ74 جلدة. والقضيتان تجسدان القيود التي تواجهها النساء في بلد، يمنعن على أرضه من الغناء أمام جمهور مختلط من الرجال والنساء.

نشرت في: 31/08/2026 - 21:19

يتزايد عدد النساء الإيرانيات اللواتي يخرجن إلى الشارع في طهران ومدن أخرى عاريات الرأس دون أن يتعرضن للقمع من "شرطة الأخلاق". وهو مكسب للمرأة الإيرانية جاء بفضل حركة "امرأة، حياة، حرية"، التي انطلقت مع مقتل الشابة مهسا أميني في سبتمبر/أيلول 2022 بسبب عدم ارتداء الحجاب "بشكل صحيح".

ويعد هذا الوضع الجديد شكلا من العصيان أضحى مرئيا في الفضاء العام، ومؤشرا على أن السلطات لم تعد تملك الإرادة ولا القدرة لوقف هذا الأمر.

لكن الإطار القانوني يبقى نفسه، والنساء اللواتي يخالفن القواعد يتعرضن باستمرار لعقوبات ثقيلة. وتعد الأحكام الصادرة مؤخرا بحق مغنيتين دليلا على استمرار القيود بحق المرأة الإيرانية.

في 19 أغسطس/آب، أعلنت المغنية الإيرانية هيوا سيفي زاده عبر إنستاغرام أنه حكم عليها ابتدائيا بالسجن لمدة أربع سنوات، بتهمة "التحريض على الفساد والدعارة". وذلك، على خلفية حفل فني أحيته في طهران في فبراير/شباط 2025. وبحسب منظمة "هنغاو" الحقوقية، فقد ألقي القبض على هذه الفنانة خلال تقديمها عرضا في قاعة "روبيرو مانشن" بطهران، وأفرج عنها فيما بعد بكفالة.

لعرض هذا المحتوى من Instagram من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات Instagram.

وأكدت هيوا سيفي زاده، التي تؤدي الموسيقى الإيرانية التقليدية والكلاسيكية، أنها اكتفت بغناء بضعة أبيات للشاعر الفارسي سعدي، معترضة، في فيديو نشرته على إنستاغرام، على التوصيف القانوني الذي اعتمده القضاء، وطالبت محكمة الاستئناف بتحديد السلوك الذي ترى فيه "تحريضا على الفساد والدعارة".

وقالت في منشور على إنستاغرام: "أنشط في المجال الموسيقي الإيراني منذ سنوات. أغني وأدرس الغناء. وعلى الرغم من القيود المفروضة -في إيران- على المغنيات، فقد حاولت دائما مواصلة شغفي بالفن. فالغناء هو حياتي".

متهمة بـ"بالتحريض على الفساد والدعارة"

بعينين مليئتين بالغضب، تتساءل هيوا سيفي زاده، "ما الذي في سلوكي ’حرض على الفساد الأخلاقي والدعارة؟‘ هل هو غنائي لأبيات من شعر سعدي، الشاعر الفارسي الكبير؟ وكيف يمكن اعتبار ذلك تحريضا على الفساد والدعارة؟"

وتحكي الفنانة الإيرانية، 29 عاما، على المنصة عن توقيفها من طرف قوى الأمن في اللحظة التي كانت فيها تغني أبياتا للشاعر المذكور. وفي فيديو لتلك السهرة، تظهر هيوا سيفي زاده مرتدية فستانا أسود بسيطا، وتضع وشاحا خفيفا، يكشف جزء من مقدمة شعرها، وهي تغني أمام جمهورها من النساء والرجال، مصحوبة بفرقتها الموسيقية.

لا يحق للنساء الإيرانيات الغناء لوحدهن أمام جمهور مختلط منذ الثورة الإسلامية عام 1979. ويكون لهن الحق في ذلك فقط في حال المشاركة ضمن مجموعة غنائية أو فرقة موسيقية أو الغناء أمام جمهور من النساء. لكن تطبيق هذه القواعد يتفاوت بحسب المكان ووفقا لتقدير السلطات المحلية. وتستند هذه القيود، بشكل خاص، على تفسيرات للشريعة الإسلامية.

وبحسب بعض هذه القراءات، ينبغي ألا يثير غناء المرأة شعورا بالمتعة أو "الإثارة الجنسية" لدى المتلقين من الرجال. وأثيرت هذه المفاهيم، على وجه الخصوص، في فيلم "No Land’s Song" "أغنية بلا أرض" من إخراج آيت نجفي في 2014، الذي تناول كفاح شقيقته الموسيقية سارة نجفي لتنظيم حفل موسيقي في طهران يجمع مغنيات.

وتُذكر هذه الأحكام الأخيرة بأن حقوق المرأة في إيران لاتزال مقيدة، وإن كانت الأعراف المجتمعية تشهد تطورا، إذ لا تزال الإيرانيات خاضعات لسلطة اعتقلت عشرات الآلاف من الأشخاص خلال احتجاجات يناير/كانون الثاني وآلاف الآخرين منذ اندلاع الحرب الأمريكية ضد إيران، بحسب منظمات حقوقية.

اقرأ أيضاالقضاء الإيراني يلاحق منظمي ماراثون بسبب مشاركة نساء بدون ارتداء حجاب

"النساء الإيرانيات أكثر شجاعة مما كن عليه في السابق"

بالنسبة للمغنية الإيرانية المقيمة في برلين، فارافاز فارفاردين، "النساء الإيرانيات أكثر شجاعة مما كن عليه في السابق". ولا يعني أن تطور الأعراف مجتمعيا في إيران ساعد النساء اليوم على التمتع بمزيد من الحرية. وبهذا الشأن، تقول مؤسسة جميعة "الحق في الغناء" "لا أعتقد أن هناك مزيدا من الحرية للنساء بشكل عام في إيران، بل أرى ببساطة أن النساء أصبحن أكثر شجاعة مما كن عليه في السابق".

وتعتبر فارافاز أنه "أصبح من الصعب على الحكومة السيطرة على أجساد النساء الإيرانيات وأصواتهن". وتتابع أنه في مواجهة هذا التطور، تحاول السلطات تشديد العقوبات و"بذل كل ما في وسعها لترهيب النساء وثنيهن عن الغناء".

وتتحدث هذه الفنانة انطلاقا من تجربتها الشخصية مع السلطات الإيرانية. فقد ألقي القبض عليها في عام 2016 بعد أن غنت ونشرت فيديو على الإنترنت، وحكم عليها عقب عامين على هذه الخطوة، بالسجن لمدة عام. ولتفادي هذه العقوبة، فرت من بلدها. وبأسف شديد تثير ما تتعرض له المغنيات في إيران. "لقد صدر حكم بالسجن أربع سنوات على هيوا سيفي زاده. ألاحظ أن العقوبات تزداد صرامة بحق زميلاتي الفنانات".

وفي تشخيص لوضع الفنانات في إيران، تقول فارافاز، "يوجهون إليك الاتهامات كما يريدون، وينسبون لك مخالفات، فيما لا يوجد نص قانوني صريح يحظر غناء المرأة بحد ذاته ’-تستند هذه القيود إلى قراءات للشريعة الإسلامية- المحرر‘. لقد اتهموني ببث محتوى ذي طابع جنسي مصدره قنوات فضائية تعتبر معادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية، وزعموا أنني حاولت تحريض النساء ليصبحن ’سيئات‘ مثلي. وهذا النوع من الاتهامات يوجهونه بانتظام للمغنيات".

وعلى الرغم من القمع، ترى الفنانة المقيمة في ألمانيا في عزيمة المغنيات الإيرانيات بصيص أمل. "أشعر بالحزن على النساء اللواتي يواجهن هذا الوضع، لكن شجاعتهن وإصرارهن على عدم التخلي عن أحلامهن يمثلان أيضا مصدر أمل".

يتجسد هذا الأمل بجلاء على شبكات التواصل الاجتماعي. فعلى الرغم من التهديدات، تواصل شابات إيرانيات الغناء في الأماكن العامة ومشاركة مقاطع فيديو الخاصة بعروضهن عبر الإنترنت. وقد تزايد عدد هذه الفيديوهات، بشكل واضح، في الأسابيع الأخيرة.

74 جلدة

ليست هيوا سيفي زاده الفنانة الوحيدة التي تمت محاكمتها وصدر بحقها حكم خلال الأشهر القليلة الماضية. ففي شهر يونيو/حزيران حكم على المغنية باراستو أحمدي بـ 74 جلدة بسبب غنائها دون ارتداء الحجاب خلال حفل بُث مباشرة عبر يوتيوب في ديسمبر/كانون الأول 2024، وتابعه الآلاف من الأشخاص.

ولقي هذا الحفل نجاحا كبيرا على الإنترنت فيما بعد، إذ شوهد على قناتها في يوتيوب حتى الآن ثلاثة ملايين مرة وآلاف المرات الإضافية على منصات أخرى.

اقرأ أيضاإيران تجيز للنساء الحصول على رخصة لقيادة الدراجات النارية

وصدرت أحكام بحق سبعة آخرين على الأقل من فريقها بمن فيهم المصورة ومصورة الفيديو تهمينه مونزافي. وقد حكم على الجميع بنفس العقوبة أي 74 جلدة، إلى جانب حظر مغادرة البلاد وممارسة أي نشاط فني لمدة عامين.

ووفق ما جاء في وثائق قضائية، اطلعت عليها صحيفة "الغارديان"، يتهم القضاء الإيراني المغنية وفريق عملها بـ"الإخلال بالآداب العامة عبر إنتاج ونشر محتوى مبتذل وغير أخلاقي على الإنترنت".

لعرض هذا المحتوى من من الضروري السماح بجمع نسب المشاهدة وإعلانات .

وتعليقا على هذه الاتهامات، قالت بهار قندهاري عن منظمة "مركز حقوق الإنسان في إيران"، وهي منظمة غير حكومية تتخذ من الولايات المتحدة مقرا لها، لصحيفة "الغارديان: "إن الحكم على أحمدي بـ74 جلدة لمجرد الغناء والظهور دون حجاب، يعد دليلا جديدا على أن وضع حقوق الإنسان في إيران لم يتغير، على الرغم من حملة الدعاية التي تقوم بها السلطات في زمن الحرب لتحسين صورتها".

وتابعت قندهاري أن التباين بين الصور الرسمية والملاحقات القضائية ضد الفنانين، يكشف "الهوة بين دعاية النظام والواقع".

وترى المغنية فارافاز فارفاردين أن استراتيجية السلطات لم تعد تكتف بمعاقبة الفنانات، بل أصبحت تستهدف المحيطين بهن أيضا. "لقد أصبح الأمر أصعب بكثير مما كان عليه من ذي قبل. إذ تذهب السلطات إلى حد الحكم بالسجن على منظمي الحفلات وطاقم عمل الفنانات. إنهم يحاولون إقحام الجميع بهدف ممارسة مزيد من الضغط على المغنيات".

وترى أن هذه الاستراتيجية قد تحدث تأثيرا ردعيا قويا للغاية. "عندما تكونين موسيقية وتدركين أن أفعالك قد تعرض حياة الآخرين للخطر، فإنك تجبرين على التخلي عما تحبين القيام به، لأن الأمر لا يتعلق بك فقط، بل بأصدقائك ومحيطك".

نقله إلى العربية بتصرف: بوعلام غبشي

كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.