بعد حصولهم على الأغلبية في مجلسي الكونغرس الأمريكي، يستعد الديمقراطيون لإطلاق سلسلة من التحقيقات البرلمانية تستهدف إدارة الرئيس دونالد ترامب ومحيطه، على خلفية اتهامات بالفساد والإثراء الشخصي وتضارب المصالح.
نشرت في: 05/11/2026 - 16:30آخر تحديث: 05/11/2026 - 16:36
من أبرز تداعيات الموجة الديمقراطية التي شهدتها انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، الأربعاء 4 نوفمبر/تشرين الثاني، أن الحزب الديمقراطي بات في موقع يسمح له بفتح سلسلة من التحقيقات البرلمانية، اعتبارا من يناير/كانون الثاني المقبل، تستهدف الرئيس دونالد ترامب وعائلته وحلفاءه، على خلفية اتهامات بالفساد وإساءة استخدام السلطة وتضارب المصالح.
وبعد فوزهم بالأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، سيتمكن الديمقراطيون من تولي رئاسة اللجان البرلمانية، إلى جانب الاستفادة من موارد مالية وبشرية أكبر، وصلاحيات استدعاء المسؤولين للمثول، ما قد يجبر إدارة ترامب على الاستجابة لمطالب الكونغرس.
ويتوقع أن يتصدر النائب الديمقراطي عن كاليفورنيا روبرت غارسيا التحقيقات المتعلقة بالأنشطة التجارية لعائلة ترامب وشبهات الفساد، مع توليه المرتقب رئاسة لجنة الرقابة النافذة في مجلس النواب.
وكان غارسيا قد نشر أداة إلكترونية ترصد بصورة مباشرة الأرباح التي يحققها ترامب وأفراد عائلته. فمنذ بداية ولايته الثانية، شهدت ثروة العائلة ارتفاعا كبيرا، فيما تضاعفت ثروة ترامب الشخصية نحو ثلاث مرات بفضل العملات المشفرة، وفق وثائق رسمية كشف عنها مطلع يوليو/تموز.
وقال غارسيا لصحيفة "واشنطن بوست" إن حجم الفساد وعمليات الاحتيال، بحسب وصفه، كبير إلى درجة تستدعي مشاركة جميع النواب الديمقراطيين في مجلس النواب لإجراء تحقيقات جدية.
المصالح الخاصة والنفقات غير الضرورية
سبق للديمقراطيين أن طالبوا بتوضيحات بشأن الأنشطة التجارية لجاريد كوشنر، صهر ترامب، مشيرين إلى ازدواجية دوره بين تقديم المشورة غير الرسمية في السياسة الخارجية وإدارة شركة استثمارية تتعامل مع حكومات أجنبية.
كما يطالبون بالتحقيق في الاستثمارات الضخمة لعائلة ترامب في العملات المشفرة، سعيا إلى تحديد ما إذا كانت قد أتاحت لمصالح أجنبية التأثير في الرئيس الأمريكي.
وفي مجلس الشيوخ، يسعى رون وايدن، الذي يأمل تولي رئاسة لجنة المالية، إلى إعطاء الأولوية لملفات الفساد وتكاليف المعيشة، مع التركيز على مدى تأثير المصالح الخاصة في السياسات العامة، ولا سيما في ظل تخفيف القيود التنظيمية على القطاعين المالي والمصرفي.
ويقول دانيال غوشورن، كبير مستشاري التحقيقات لدى الديمقراطيين في لجنة المالية، إن شركات الاستثمار الخاص تشكل مصدر قلق لعدد من أعضاء مجلس الشيوخ، ولا سيما بشأن تأثير هياكلها المالية في تكاليف الرعاية الصحية والسكن وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
ويشير غوشورن أيضا إلى المعاملة الضريبية التفضيلية التي تستفيد منها مراكز البيانات المرتبطة بالتوسع في الذكاء الاصطناعي.
وفي وقت يثقل فيه التضخم وارتفاع أسعار الوقود كاهل الأمريكيين، يتوقع أن يدقق الديمقراطيون في نفقات إدارة ترامب التي يعتبرونها غير ضرورية، ولا سيما المشاريع التي تهدف إلى تغيير معالم العاصمة واشنطن.
اقرأ أيضابعد الهزيمة الساحقة في انتخابات التجديد النصفي... تصفية الحسابات تبدأ بين الجمهوريين
ومن بينها أعمال بركة الانعكاس أمام نصب لينكولن التذكاري، وقاعة الاحتفالات الضخمة في البيت الأبيض، ومشروع إقامة قوس نصر بارتفاع 76 مترا، تقدر تكلفته بمئات ملايين الدولارات.
فريق عمل للتحقيق في ملفات إبستين
يعتزم الديمقراطيون أيضا التحقيق في قرارات العفو الرئاسي العديدة التي أصدرها ترامب خلال ولايته الثانية، ولا سيما شبهات دفع أموال من أفراد أو عائلات ثرية مقابل الحصول على عفو.
وكانت صحيفة "نيويورك تايمز" قد أفادت بأن ألينا هابا ميلدون، إحدى المحاميات السابقات لترامب، تقاضت 50 مليون دولار مقابل خدمات شملت المساعدة في الحصول على عفو لأحد أفراد عائلة فنزويلية ثرية.
كما يسعى الديمقراطيون إلى التحقيق في العفو الذي منحه ترامب لتشانغبينغ تشاو، مؤسس منصة "باينانس" ورئيسها التنفيذي السابق، الذي سبق أن أقر بذنبه في مخالفة قوانين مكافحة غسل الأموال.
وفي أواخر ولايته الأولى، كان ترامب قد خفف عقوبة السجن البالغة 40 شهرا الصادرة بحق حليفه القديم روجر ستون، الذي أدين بالكذب على الكونغرس والتأثير في الشهود خلال التحقيقات بشأن صلات روسيا بحملة ترامب الانتخابية عام 2016.
وأثار القرار حينها انتقادات حادة في الكونغرس من أعضاء في الحزبين، بينهم السيناتور الجمهوري ميت رومني، الذي وصفه بأنه "فساد تاريخي وغير مسبوق".
ومن أولويات المشرعين الديمقراطيين أيضا التحقيق في العلاقات المثيرة للجدل بين ترامب ورجل الأعمال الراحل جيفري إبستين.
ويسعى الديمقراطيون إلى معرفة ما إذا كانت وزارة العدل قد انتهكت قانون الشفافية المتعلق بملفات إبستين، من خلال إخفاء وثائق أو حجب أجزاء منها من دون مبرر.
وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الذي يتوقع أن يتولى قيادة الأغلبية مطلع العام المقبل، قد شكل في فبراير/شباط فريق عمل خاصا في المجلس، مكلفا بالتدقيق في المعلومات المتعلقة بإبستين التي حجبتها وزارة العدل عن الرأي العام.
اقرأ أيضاالانتخابات النصفية الأمريكية... الجمهوريون يدعون ترامب لتغيير المسار بعد "الكارثة الهائلة"
فخ إجراءات العزل
على الرغم من أن الديمقراطيين لا يستبعدون أي خيار، فإنهم قد يتجنبون إطلاق إجراءات جديدة لعزل ترامب، الذي سبق أن برأه مجلس الشيوخ مرتين.
وكان الرئيس الأمريكي قد سخر أخيرا من احتمال عزله خلال تجمع في أوكلاهوما، قائلا: "لقد أصبحت بارعا جدا في هزيمتهم في معارك العزل".
ويدرك الديمقراطيون أن إجراءات العزل طويلة ومحفوفة بالعقبات، وأن فرص نجاحها ضئيلة للغاية، إذ تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ.
كما أن هذه الإجراءات قد تستحوذ على أعمال الكونغرس، وتتيح للرئيس تقديم نفسه بوصفه ضحية حملة حزبية.
ولتجنب هذا المأزق، تبرز استراتيجية أخرى تقوم على استهداف أقرب حلفاء ترامب، وفي مقدمتهم وزير الدفاع المثير للجدل بيت هيغسيث.
وقد يجد الديمقراطيون في هذا المسار دعما من عدد من الجمهوريين الذين أبدوا استياء من الحرب ضد إيران وغياب الشفافية في وزارة الدفاع.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس النواب حكيم جيفريز، المرشح لتولي رئاسة المجلس، خلال تجمع في أكتوبر/تشرين الأول: "أنا هنا لأقول لكم إن أحد أول الإجراءات التي سنتخذها عندما نصبح أغلبية سيكون إخراج بيت هيغسيث من واشنطن".
وقد يواجه هيغسيث سلسلة من التحقيقات البرلمانية تتناول استهداف مدنيين في إيران، وتسريب معلومات سرية، وتنفيذ ضربات غير قانونية ضد سفن يشتبه في استخدامها لتهريب المخدرات في أمريكا الجنوبية، فضلا عن شبهات تمييز في الترقيات العسكرية.
وبحسب موقع "بوليتيكو"، يدرس الديمقراطيون أيضا فتح تحقيقات بشأن إيلون ماسك، تشمل تقييد خدمات شبكة الأقمار الاصطناعية "ستارشيلد" في أوكرانيا، والتخفيضات التي أجراها داخل الإدارة الفيدرالية عبر هيئة الكفاءة الحكومية "دوج"، وشبهات تضارب المصالح المرتبطة بالعقود الحكومية الممنوحة لشركتي "سبيس إكس" و"تسلا".
عراقيل متوقعة من البيت الأبيض
في مواجهة الهجوم البرلماني المرتقب، بدأ المستشارون القانونيون في البيت الأبيض إطلاع رؤساء الوكالات الفيدرالية على كيفية التعامل مع طلبات الحصول على الوثائق والاستدعاءات للمثول أمام الكونغرس، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤولين في إدارة ترامب.
ويتوقع أيضا أن يعيد البيت الأبيض اعتماد الاستراتيجية التي اتبعها خلال ولاية ترامب الأولى، والقائمة على المماطلة في الاستجابة لطلبات الكونغرس.
وعلى الرغم من أن التحقيقات البرلمانية تتيح إلزام الأفراد بالإدلاء بشهاداتهم وتقديم الأدلة، فإن وزارة العدل ستبقى تحت سيطرة ترامب، ما يجعل الملاحقات الجنائية المحتملة أمرا مستبعدا.
اقرأ أيضاترامب يرجع مسؤولية الهزيمة للحرب في إيران ويؤكد أن محاولة عزله ستؤدّي إلى "تدمير" الديمقراطيين
وفي مقابلة صوتية مع صحيفة "نيويورك بوست" نشرت الاثنين، أكد الرئيس الأمريكي أنه سيمنح العفو لجميع حلفائه، مذكرا بأنه أصدر في اليوم الأول من ولايته قرارات عفو شملت 1500 من أنصاره المدانين أو الذين كانوا ينتظرون المحاكمة على خلفية مشاركهتم في اقتحام مبنى الكابيتول في 6 يناير/كانون الثاني 2021.
وألمح ترامب خلال المقابلة نفسها إلى إمكانية التدخل من أجل "حماية" إيلون ماسك، الذي قدم تبرعات تقارب نصف مليار دولار لمرشحين جمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي.
واستعدادا لمقاومة البيت الأبيض، يخطط المشرعون الديمقراطيون لتجاوز هذه العقبات عبر التركيز على مؤسسات خاصة مرتبطة بالرئيس الأمريكي.
لكن المهمة تبدو شاقة، إذ سيتعين على الديمقراطيين تحقيق توازن بين رغبتهم في مساءلة الإدارة والاستجابة للمخاوف الملحة لدى الناخبين الأمريكيين.
ويشير السيناتور شيلدون وايتهاوس إلى استطلاع رأي نشر مطلع سبتمبر/أيلول، أظهر أن أكثر من 90 في المئة من الناخبين يعتبرون الحكومة فاسدة.
ويقول: "علينا أن نتحلى بالتفكير الاستراتيجي في تحديد مسارات التحقيق، من دون أن يسمح ذلك بصرف انتباهنا عن مشكلات القدرة الشرائية الملحة التي تواجهها الأسر الأمريكية".
نص بينجامين دودمان. أعدته إلى العربية حنين يونس
كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال
المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.




