بعد مرور ربع قرن على اليوم الذي غيّر مجرى التاريخ، يوم اعتداءات 11 سبتمبر 2001، تتجه الأنظار الآن إلى قضية قد تعتبر من أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الولايات المتحدة والسعودية. وذلك بعد أن كشفت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في أيلول/ سبتمبر 2026 عن عشرات الوثائق رُفعت عنها السرية وتتلق بتنظيم "القاعدة" وزعيمه أسامة بن لادن قبل الهجمات. بعض هذه الوثائق أعادت إلى السطح أسئلة قديمة حول دور السعودية المفترض في هذه الهجمات.

نشرت في: 29/09/2026 - 20:47آخر تحديث: 30/09/2026 - 12:09

في 11 أيلول/ سبتمبر 2026، رفعت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية السرية عن مئات الوثائق المتعلقة باعتداءات 11 سبتمبر 2001. ويتعلق الأمر بـ71 تقريرا رفعت إلى الرئيسين الأمريكيين السابقين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش، تتعلق بالاعتداءات.

هذه الوثائق لا تقدم أدلة على أن السلطات السعودية خططت لاعتداءات 11 سبتمبر أو أمرت بتنفيذها أو أشرفت على ذلك. لكن جانبا من وثائق سبق أن نشرها مكتب التحقيقات الفيدرالي وملفات قضائية أمريكية، تعيد من جديد طرح أسئلة قديمة حول شبكة علاقات السعودية مع اثنين من منفذي الهجمات، وبشأن أموال وصلت إلى تنظيم "القاعدة" من داخل المملكة.

واشنطن كانت تعرف أن "القاعدة" تريد ضربها

ربما تكون أهم معلومة في الوثائق الجديدة أن هجمات 11 سبتمبر لم تأتِ من فراغ. فقبل الهجمات بسنوات، كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية تتابع التنظيم وزعيمها أسامة بن لادن، وكانت تصل إلى البيت الأبيض تحذيرات بشأن رغبة هذا التنظيم في تنفيذ عمليات داخل الأراضي الأمريكية.

اقرأ أيضاوثائق وكالة الاستخبارات الأمريكية

إحدى الوثائق التي رفعت عنها السرية تعود إلى العاشر من أيلول/ سبتمبر 1998، وكانت تتحدث عن نوايا أسامة بن لادن وتنظيمه في تنفيذ هجوم داخل الولايات المتحدة، وتحدثت عن احتمال استخدام طائرة محملة بالمتفجرات لضرب مدينة أمريكية لم يُكشف عنها.

وفي 4 ديسمبر/ كانون الأول 1998، ظهر تقرير كان يحمل عنوانا واضحا لا لبس فيه: "بن لادن يستعد لخطف طائرات أمريكية وتنفيذ هجمات". وتواصلت التحذيرات خلال السنوات التالية.

في 24 تموز/ يوليو 2001، أي قبل أقل من سبعة أسابيع من هجمات نيويورك وواشنطن، أشارت مذكرة استخباراتية إلى أن عملية إرهابية مرتبطة ببن لادن تم تأجيلها، لكنها حذرت من احتمال استعداد التنظيم لهجمات أخرى على المدى القريب.

ثم جاءت واحدة من أشهر وثائق ما قبل 11 سبتمبر، وهي مذكرة 6 أغسطس/ آب 2001 حملت عنوانا صريحا: "بن لادن مصمم على ضرب الولايات المتحدة". هذه الوثائق لا تعني ضرورة أن أجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تعلم بأن الهجوم سيقع في 11 سبتمبر، أو أن أربعة طائرات ستُختطف وأن مركز التجارة العالمي والبنتاغون سيكونان من بين الأهداف المحتملة. فأجهزة الاستخبارات الأمريكية كانت تتوقع تهديدا فعليا، لكنها لم تكن تملك الصورة الكاملة للهجوم. بل فقط معلومات قليلة وغير مكتملة عن خطط القاعدة.

وهذا ما يتطابق إلى حد كبير مع خلاصة لجنة التحقيق الأمريكية في هجمات 11 سبتمبر، والتي أشارت إلى أن أجهزة الاستخبارات كانت تعرف أن بن لادن يريد ضرب الولايات المتحدة، لكنها لم تكن تعرف بشكل دقيق متى وأين، ولا كيف سيحدث الهجوم.

جنسيات منفذي الهجمات

من بين منفذي هجمات 11 سبتمبر 2001، تسعة عشر كانوا يحملون الجنسية السعودية. لكن هذه الحقيقة وحدها لا تعني بأي شكل أن المملكة كانت تقف وراء الهجمات. اليوم يطرح تساؤل حول بعض منفذيها ممن وصلوا إلى الولايات المتحدة، وحول أشخاص آخرين ساعدوهم. ويبرز هنا بوضوح اسمان بعينهما: نواف الحازمي وخالد المحضار. وصل الرجلان إلى الولايات المتحدة في يناير/ كانون الثاني 2000، قبل أن يصبحا لاحقا من بين منفذي هجمات 11 سبتمبر وكانا من بين قراصنة الجو الذين هاجموا بطائرة مختطفة مبنى البنتاغون.

وثائق "الأف بي آي"، التي رفعت عنها السرية، تتحدث عن شخص سعودي يدعى عمر البيومي، كان قد قدم يد المساعدة إلى الحازمي والمحضار. وبحسب هذه الوثائق، تمثلت هذه المساعدة في توفير السكن والترجمة والتحرك وحتى التمويل.

اقرأ أيضامذكرة لمكتب التحقيقات الفيدرالي تكشف عن علاقة محتملة بين الرياض ومنفذي اعتداءات 11 سبتمبر

هذه الوثائق أشارت إلى اتصالات بين عمر البيومي والقنصلية السعودية في لوس أنجلس، وإلى علاقته بشخص يسمى فهد الثميري، وهو رجل دين ودبلوماسي سعودي كان على علاقة بالقنصلية. وتظهر إحدى وثائق مكتب الإف بي آي، وجود سلسلة من الاتصالات بين هؤلاء الأشخاص وهيآت وجمعيات سعودية قبل هجمات سبتمبر.

لجنة التحقيق في هجمات 11 سبتمبر انكبت على مسألة عمر البيومي. ورغم أنها اعتبرت ظروف لقائه بالحازمي والمحضار ومساعدته مثيرة للتساؤل إلا أنها لم تجد ما يؤكد على أنه كان يعمل سرا لصالح "القاعدة" ولا غيرها. ولم تجد اللجنة دليلا يثبت أن فهد الثميري قدم مساعدة للحازمي والمحضار. فالاتصالات والمساعدة أمر تم توثيقه، لكن تفسير هذه العلاقات ومدى إطلاع الهيآت الرسمية السعودية عليها، مسألة لم يتم التحقق منها بشكل نهائي.

تمويلات من رجال أعمال وجمعيات سعودية

طالما بحثت أجهزة الاستخبارات الأمريكية في مصادر تمويل تنظيم "القاعدة"، وتوصلت إلى أن السعودية كانت في تلك الفترة مصدرا للأموال التي كانت تصل إلى التنظيمات الجهادية.

ومن بين هذه الوثائق تقرير استخباراتي أمريكي ظهر في نوفمبر/ تشرين الثاني 2002، وصف السعودية بأنها قاعدة مهمة لتمويل "القاعدة" والتنظيمات الإرهابية الأخرى، وقدر أن الملايين من الدولارات كانت تصل سنويا إلى إرهابيين من مصادر مختلفة من داخل المملكة.

اقرأ أيضاالولايات المتحدة تحيي الذكرى العشرين لاعتداءات 11 سبتمبر في نيويورك

كانت بعض الأموال تأتي في شكل تبرعات دينية يقدمها أشخاص قد لا يعرفون مآلها، بينما تحدثت الاستخبارات الأمريكية أيضا عن رجال أعمال وأثرياء سعوديين اشتبهت في دعمهم لشبكات مرتبطة بـ "القاعدة". وأظهرت هذه الوثائق أسماء جمعيات خيرية سعودية، من بينها منظمة الإغاثة الإسلامية الدولية، الحرمين، ومؤسسة موفق.

لكن هذا الاشتباه لا يعني بالضرورة الإدانة بحسب هيئات التحقيق الأمريكية. فبعض رجال الأعمال الذين وردت أسماؤهم في تلك الوثائق لم تتم إدانتهم في الولايات المتحدة أو أوروبا بتمويل الإرهاب. ولجنة التحقيق في ملف 11 سبتمبر، قالت إنها لم تجد دليلا يثبت أن الحكومة السعودية أو كبار المسؤولين السعوديين، قاموا بتمويل التنظيم. لكنها أشارت في المقابل إلى أهمية السعودية كمصدر لتمويله، وإلى احتمال وصول أموال عبر جمعيات خيرية كانت تتمتع بدعم حكومي سعودي.

خفايا القضية لم تنته بعد

ورغم مرور ربع قرن، فإن التمويل السعودي لا يزال يثير الجدل وخيوط القضية لا تزال متشابكة. فقد رفعت عائلات ضحايا 11 من سبتمبر وناجون من الهجمات التي غيرت وجه التاريخ دعوى قضائية ضد المملكة العربية السعودية، متهمين جهات وأشخاصا سعوديين بتقديم المساعدة لبعض عناصر القاعدة. وفي أغسطس/ آب 2025، رفض قاض فيدرالي أمريكي إغلاق القضية وهو ما يسمح باستمرار الإجراءات القضائية.

عماد بنسعيّد

كلمات مفتاحية مرتبطة بالمقال

المحتوى الذي تريدون تصفحه لم يعد في الخدمة أو غير متوفر حاليا.